رواية جديدة
بعد 72 ساعة بس من جوازها، رجعت البيت وسط عاصفة ومطر شديد، عملت العشا اللي جوزها كان مصر عليه، واعتذرت له إنها اتأخرت... لكنه قلب الترابيزة برجله، وكسر كل الأطباق، وقال لها بمنتهى البرود إنها من النهارده هتسلمه حساباتها البنكية، وعقد شقتها، وشغلها، وحتى حريتها. وبعدها كرر نفس الكلام اللي أمه كانت حاشياه في دماغه من وهو صغير: إن الست لازم تتضرب الأول عشان تعرف تطيع.
كان فاكر إن البنت اللي عرفها، واللي شغالة في شركة كبيرة، هتخاف، وتعيط، وتوافق تكتبله كل اللي تملكه. لكن اللي ماكنش يعرفه إنها كانت مخبية عنه سر طول فترة خطوبتهم... سنين من التدريب الاحترافي على الفنون القتالية المختلطة، وكمان كانت بتدرب ستات كتير إزاي يدافعوا عن نفسهم ضد رجالة زيه بالظبط. ولما وقعته على الأرض وسيطرت عليه، اعترف وهو مرعوب بسر أخطر بكتير... خطة كانت أمه هي اللي مدبراها من البداية.
الجزء الأول
بعد تلات ليالي بس من فرحي، جوزي ركل العشا برجله وقال إنه هيعلمني يعني إيه طاعة.
المطر كان نازل من ساعة ما خرجت من الشغل، والطرق كلها كانت غرقانة. المترو اتعطل، وكمان كان في شارع مقفول بسبب الميه، وده خلاني أوصل البيت متأخرة حوالي 45 دقيقة. أول ما دخلت الشقة اللي اشتريتها من ست سنين، هدومي كانت مبلولة، وجزمتي بتطلع صوت على الأرض الخشب.
لقيته قاعد على الكنبة، الكرافتة مفكوكة شوية، وماسك الموبايل.
ماسألنيش إذا كنت بخير.
كل اللي عمله إنه بص على الساعة.
قال: "الساعة بقت سبعة تلاتة وأربعين."
قلت: "عارفة... المترو وقف بين المحطات."
رد ببرود: "إنتي قولتي العشا هيكون جاهز الساعة سبعة."
قلت: "هو في الفرن."
جريت على المطبخ وأنا متضايقة من نفسي إني حتى بشرحله. الأكل كان لسه دافي. سخنت الخضار تاني، وقطعت العيش، ورتبت السفرة.
وهو واقف بيتفرج... من غير ما يساعدني حتى.
طول سنة ونص خطوبة، كان باين عليه إنه شخص محترم بشكل غريب. كان فاكر طلبي المفضل في القهوة، يشيل عني الشنط، ويسمعني وأنا بحكي عن مشاكل الشغل. وكان دايمًا يقول إن الجواز مشاركة، وإن جواز أبوه وأمه الفاشل خلاه يعرف هو مش عايز يبقى عامل إزاي.
لكن إحنا مكملناش 72 ساعة جواز.
قلت: "العشا جاهز."
قام من مكانه.
ومشى ناحية الترابيزة بخطوات تقيلة لدرجة إني وقفت وأنا برتب المناديل.
بص على الأكل... وبعدها بصلي.
وقال: "بارد."
قلت: "لأ... مش بارد."
قال: "أنا قلت الساعة سبعة."
قلت: "كنت محبوسة في المترو بسبب العاصفة."
وفجأة رفع رجله...
وركل الترابيزة بكل قوته.
الأطباق طارت في كل حتة. طبق التقديم اتكسر في الحيطة. الفراخ والصوص والخضار اترموا على الأرض. وكوباية الإزاز وقعت جنب رجلي واتفتت لقطع صغيرة.
الصوت فضل بيرن في ودني حتى بعد ما كل حاجة سكتت.
كان بيتنفس بعصبية.
وقال: "لازم تفهمي حاجة قبل ما تتعودي على عادات وحشة."
فضلت باصة للأكل اللي على الأرض.
قلت: "دي شقتي."
رد: "وده أصل المشكلة."
وقرب مني.
وقال: "فاكرة إن عشان إنتي اللي اشتريتي الشقة ومرتبك أعلى مني، يبقى تعملي اللي إنتي عايزاه."
قلت: "أنا اتأخرت لأن المواصلات وقفت."
قال: "الزوجة الشاطرة تعرف تتصرف مهما كانت الظروف."
طريقة نطقه لكلمة "زوجة" خلتها تحس إنها وظيفة... مش علاقة.
وبعدين شاور على الأكل المرمى وقال:
"هتنضفي كل ده... وبعدها هتديني صلاحية الدخول على كل حساباتك البنكية."
بصيت له باستغراب.
قلت: "إيه؟"
قال: "سمعتي. مرتبك، استثماراتك، الباسوردات، الكروت... كل حاجة. البيت لازم يبقى فيه شخص واحد مسؤول عن الفلوس."
قلت: "والشخص ده إنت؟"
قال بثقة: "أيوه."
قلت بمنتهى الهدوء: "لأ."
وشه اتغير في لحظة.
الراجل الهادي اللي كنت فاكرة إني عرفاه اختفى تمامًا، لدرجة إني شكيت إنه عمره ما كان موجود.
قال: "أمي قالتلي إنك هتعاندي. قالت إن الستات الناجحة بيتكبروا لما محدش يوقفهم عند حدهم."
قلت: "أمك مالهاش أي دخل بفلوسي."
قال: "هي فاهمة يعني إيه جواز."
رديت: "أمك لحد النهارده هي اللي متحكمة في حسابك البنكي."
وشه اتشد وقال:
"الكلام ده مكانش له لازمة.
بعد ما قال الجملة دي، ساد صمت تقيل في المطبخ.
بصيتله بهدوء، وبعدها نزلت عيني على قطعة صيني مكسورة كانت على الأرض. انحنيت، شيلتها، وحطيتها على الرخامة.
ابتسم وهو فاكر إني استسلمت.
قال وهو بيفك أكمام القميص: "كويس... شكلك بدأتي تفهمي."
قلت بهدوء: "لأ... أنا بس كنت بسيبك تكمل."
رفع إيده كأنه هيضربني.
لكن قبل ما إيده توصل لوشي، مسكت معصمه، ولفيته بسرعة. في أقل من ثانية كان واقع على الأرض، ووشه لازق في البلاط، ومش قادر يتحرك.
فضل يصرخ: "سيبيني! إنتي مجنونة!"
قلت وأنا مثبتاه: "دي أول حركة اتعلمتها من عشر سنين."
بدأ يحاول يفلت، لكن كل ما يتحرك كان بيتوجع أكتر.
قال وهو بيصرخ: "إنتي مين؟"
ابتسمت وقلت: "أنا مدربة دفاع عن النفس. ومن سنين وأنا بعلم الستات إزاي يحموا نفسهم من رجالة بيفكروا إن الضرب اسمه رجولة."
اتحولت ملامحه من الغرور للرعب.
وفجأة قال: "استني... دي مش فكرتي لوحدي."
سألته: "يعني إيه؟"
قال وهو بيرتعش: "أمي... هي اللي قالتلي أتجوز واحدة ناجحة. قالت بعد الجواز هنجبرها تكتب كل حاجة باسمي، ولو رفضت... نخوفها لحد ما توافق."
طلعت موبايلي، ووريته الشاشة.
قلت: "كل اللي قولته من أول ما دخلت البيت متسجل."
وشه اصفر.
بعد نص ساعة كانت الشرطة وصلت، وسجلت أقواله بعد ما سمعوا التسجيل وشافوا آثار التكسير في الشقة.
تاني يوم رفعت قضية طلاق، ومعاها بلاغ بالشروع في الاعتداء والإكراه على التنازل عن الممتلكات.
أما أمه، فلما التحقيقات بدأت، اكتشفوا إنها عملت نفس الحيلة مع ستات تانيين قبل كده، وكانت بتساعد ابنها يختار ضحاياه.
بعد شهور، صدر الحكم بحبسه، واتحاكمت هي كمان لدورها في التحريض والاحتيال.
أما أنا، فوسعت مركز التدريب بتاعي، وخليته مجاني لأي ست محتاجة تتعلم تدافع عن نفسها.
وفي أول محاضرة وقفت قدام البنات وقلت:
"القوة مش إنك تضربي حد... القوة إنك تعرفي تحمي نفسك، وما تسمحيش لحد يكسرك أو يتحكم في حياتك."
ومن يومها، كل واحدة كانت بتدخل المكان وهي خايفة... كانت بتخرج وهي عارفة إن الخوف عمره ما يكون نهاية الحكاية، لو الإنسان قرر يقف ويدافع عن نفسه.