البنتين اللي انقذوني حصري لموقع لمحه

لمحة نيوز

طول عمري كنت فاكر إن مفيش مشكلة الفلوس متعرفش تحلها.

أنا اسمي "ناثان ويتمور"، وعند 54 سنة بنيت شركة عقارات تجارية من فرع صغير لحد ما بقت حاجة المجلات المالية بتوصفها بـ "إمبراطورية" و "عملاق" و "مؤسسة".

عندي بيوت نادراً ما بنام فيها، وبسافر بعربيات بسواقين حافظين جدولي أكتر مني، وكل يومي بتحرك بين مكاتب مكيفة ومساعدين بيظبطوا الدنيا حواليا من غير ما أحس.

من برا شكلي حر.  

بس في الحقيقة كل دقيقة في يومي بتاعت حد تاني.

في صباح بارد في شهر أكتوبر في "دنڤر" عملت حاجة عادية لدرجة إنها حستني كأني بتمرد.  

قلت للمساعد بتاعي "جراينت" إني همشي لمعادي اللي بعد الضهر بدل ما أركب العربية.

بصلي كأني قلتله هعدي "كولورادو" على حصان.  

"دي 3 ميل تقريباً"  

"عارف"  

"عندك مكالمة 11 ونص"  

"أجلها"

اتردد: "ناثان، الدكتور بتاعك وصى بالذات إنك—"  

"جراينت"  

سكت.

شفت الحسابات بتعدي في وشه: أضغط لحد فين من غير ما يترفد؟  

وفي الآخر نهد: "على الأقل خد تليفونك"  

رفعته: "مبسوط؟"  

"مش أوي"

وبعد 20 دقيقة كنت ماشي في جنينة كبيرة مليانة شجر "قطن" بدأ يصفر.  

الصبح ريحته عشب مبلول وقهوة جاية من كشك جنب المراجيح.

شوية ناس كبار قاعدين على ترابيزة شطرنج تحت مظلة خشب.  

أمهات بيزقوا عربيات أطفال.  

وعلى النجيلة عيال بيلعبوا كورة بشرابات قديمة كأنها جون.

هديت من غير ما أقصد.  

ضحكهم وصلني.

مش عارف ليه فضلت أبص عليهم.  

مفيش حاجة غريبة في المنظر. محدش بيعرض. محدش بيعمل علاقات. محدش عايز حاجة من حد.  

كانوا بس موجودين.

مش فاكر آخر مرة كنت في مكان من غير ما يكون ليا سبب.

حسيت بحاجة بتقرص تحت ضلوعي.  

طنشتها.

التطنيش بقى شغلتي.  

بقالي سنين بتجاهل الصداع، وبفوت أكل، وبقصر الإجازات، وبعمل إن التعب مش موجود، وبعامل النوم كأنه ضعف.

أي حاجة تعطل الشغل بلف من حواليها.

بس في نص الطريق الضغط زاد.  

وقفت جنب دكة وحاولت أتنفس بالراحة.  

الشجر بدأ يتهز.  

الأصوات بعدت كأن حد قفل باب بيني وبين الدنيا.

مديت إيدي على التليفون.  

إيدي مش راضية تتحرك.  

الأرض طلعتلي أسرع من المتوقع.

وبعدين كل حاجة سكتت مرة واحدة.

كنت واعي... بس بالعافية.  

جزامات عدت جنبي.  

حد جري.  

عجلة كملت في طريقها.

وفكرت: إيه السخرية دي.  

أنا مشغل مئات. المحامين بيردوا عليا في دقايق.  

البنوك بتغير مواعيدها عشاني. ناس معرفهاش بتبعت هدايا للمكتب عشان تفضل في دايرتي.

ومع ذلك ولا حاجة من دي نفعت وأنا مرمي في ممر ومش قادر أرفع إيدي.

وبعدين سمعت صوتين صغيرين:  

"مادي، استني"

خطوات صغيرة قربت.  

ومن وسط الضباب شفت بنتين صغيرين واقفين فوقي.

شبه بعض تقريباً، بس واحدة شعرها البني الفاتح ضفيرتين، والتانية ديل حصان معووج شوية.  

جواكتهم كبيرة عليهم، والكوتشيات بتاعتهم باين إنها كانت بتاعت حد قبلهم.

واحدة شايلة شنطة ضهر بنفسجي عليها نجوم قماش.

البنت اللي بضفيرتين قعدت جنبي بالراحة:  

"يا عمو؟"

البنت اللي بضفيرتين قعدت جنبي وهمست:  

"يا عمو؟ إنت كويس؟"  

صوتها كان واطي بس ثابت.

التانية اللي بديل حصان جريت بسرعة على الشنطة البنفسجي وطلعت إزازة مية صغيرة.  

"اشرب" حطتها جنب بوقي.  

"مادي متلمسهوش جامد" قالت بضفيرتين.

مادي هزت راسها: "مش هسيبه. بابا قال لو حد وقع لازم نفضل جنبه لحد ما حد كبير يجي"

فضلت عيني مقفلة وفاتحة بالعافية.  

سمعت ناس بتتجمع. حد طلب الإسعاف.  

بس البنتين... مسبونيش ثانية.

واحدة مسكت إيدي.  

والتانية فضلت تقولي "خليك معانا يا عمو. الإسعاف جاي"

في المستشفى فوقت لقيت نفسي على سرير و"جراينت" واقف بيبرق.  

"ناثان! إيه اللي حصل؟"  

"وقعت في الجنينة" قلت بصوت واطي.  

"البنتين؟"  

"أنقذوني"

بعد يومين خرجت.  

أول حاجة عملتها رجعت الجنينة.  

عايز أشكرهم وأشكر أمهم.

لقيتهم عند نفس الكشك بتاع القهوة.  

الأم كانت ست في أواخر التلاتينات، شعرها مربوط، لابسة جاكيت قديم وشايلة كيس مشتريات.  

وشها تعبان بس عينيها فيهم حنية غريبة.

قربت منها: "أنا ناثان. بنات حضرتك أنقذوني"  

ابتسمت ابتسامة صغيرة: "الحمدلله إنك كويس. مادي وليلي بيحبوا يساعدوا"

قعدنا نتكلم دقيقة.  

وبعدين قالت "ثانية" ودخلت إيدها في شنطة قماش قديمة طلعت منها علبة صفيح صغيرة.

"أصل دي وقعت منك"  

فتحتها.  

جواها محفظتي، ومفاتيحي، وصورة قديمة متنية.

مسكت الصورة.  

قلبي وقف.

صورة من 24 سنة.  

أنا وشاب تاني واقفين قدام شركة صغيرة.  

واحنا بنضحك وبنبني أول مكتب لينا.

الشاب التاني... كان "داني".  

شريكي. أخويا اللي معرفتوش من الدم.  

اللي قطعت معاه بسبب فلوس وخلاف غبي وبعدها مسمعتش عنه تاني.

بصيت للأم مصدوم: "إنتي... إنتي مين؟"  

عينيها دمعت.  

"اسمي سارة. وداني ده كان جوزي"  

سكتت ثانية: "الله يرحمه. مات من 3 سنين"

الدنيا لفت بيا.  

داني؟ بناته؟  

مادي وليلي؟  

هما ولاد صاحبي؟

"هو عمره ما بطل يتكلم عنك" كملت سارة.  

"كان بيقول ناثان دماغه في الشغل ونسي العِشرة. بس كان بيشيل صورتكم دي في كل مكان"

بصيت للبنتين.  

نفس الضحكة. نفس الحنية بتاعت داني.

حسيت بضربة في صدري أوجع من اللي جاتلي في الجنينة.

بعدها بيوم اشتريت البيت اللي جنبهم.  

مش عشان الفلوس.  

عشان أرجع أبقى "العمو ناثان" بتاع مادي وليلي.

وبقيت بوديهم المدرسة.  

وبنلعب كورة في نفس الجنينة.

ومن يومها فهمت حاجة واحدة:  

مفيش "إمبراطورية" في الدنيا تسوى إنك تخسر الناس اللي كانوا هيشيلوك  

لما تقع ومحدش حاسس بيك.

تم نسخ الرابط