السر المدفون في الحظيرة

لمحة نيوز

انهمك إبراهيم في الحسابات ليل نهار، بينما بدأت زينب تحث ياسمين على الذهاب إلى القرية المجاورة وسؤال الجيران عما إذا كانوا قد شاهدوا سيارة النقل ليلة أمس.
أثناء بحث ياسمين في القرية، كانت العيون تلاحقها بنظرات الشفقة والشماتة؛ فالجميع يرى أن نهايتها اقتربت وأن جلال سيستولي على الأرض لا محالة. لكنها التقت بالشيخ عبد الرحمن، رجل مسن كان صديقًا لوالدها، والذي أسرّ إليها بمعلومة خطيرة: "يا بنتي، أبوكي قبل ما يموت بأسبوع جالي وكان فرحان، وقال لي إنه لقى صندوق معدني قديم مدفون تحت أساسات الحظيرة القديمة لما كان بيصلحها، وقال إن الصندوق ده فيه أوراق قديمة تثبت ملكية جدي للمزرعة وكمان أرض تانية جلال مستولي عليها بقاله سنين، بس أبوكي مات قبل ما يروح الشهر العقاري". صُدمت ياسمين؛ فالسر الذي كان يبحث عنه جلال ليس مجرد إجبارها على البيع بسبب الدين، بل هو يعلم بوجود هذا الصندوق ويخاف أن تجده ياسمين وتكتشف تزويره للأراضي المجاورة كلها. عادت ياسمين مسرعة إلى المزرعة وأخبرت عم إبراهيم وخالة زينب بما سمعته. قال إبراهيم وعيناه تتسعان ذهولاً: "علشان كده الحرامية كانوا مستخبيين في الحظيرة! جلال بعت رجالة يدوروا على الصندوق، ولما إحنا دخلنا استخبينا هناك، هما خافوا وانسحبوا، وافتكرتينا إحنا الحرامية!".
قرر الثلاثة أن يبدأوا رحلة البحث عن الصندوق المدفون داخل الحظيرة. أمضوا ليلة كاملة يحفرون في زوايا الحظيرة القديمة تحت ضوء الكشافات الخافت، والأمل يصارع التعب واليأس. ومع دقات الساعة الثالثة فجرًا، ارتطمت فأس ياسمين بجسم معدني صلب. تسارعت دقات قلوبهم، وجثوا جميعًا على ركبهم يزيلون التراب بأيديهم العارية، حتى ظهر صندوق حديدي صدئ مغلق بقفل قديم. أحضر عم إبراهيم مطرقة وكسر القفل بضربة قوية. فتحوا الصندوق، لتخرج منه ريحة الأوراق القديمة والتاريخ. كانت هناك حجج ملكية تعود لزمن بعيد، وخرائط للمنطقة توضح الحدود الأصلية للمزرعة، والصدمة الكبرى كانت وجود إيصال أمانة أصلي موقع من جلال نفسه لوالد ياسمين بمبلغ ضخم جداً كان قد اقترضه منه قبل سنوات ولم يرده، واستغل موت الرجل ليقلب الآية ويدعي أن الأب هو المدين.
بينما كانوا يحتفلون بظهور الحق، كسرت فرحتهم أصوات حوافر خيل وحركة غريبة خارج البيت. جلال لم ينتظر انتهاء المهلة، وجاء ومعه ثلاثة من رجاله الأشداء مسلحين بالعصي لفرض أمر واقع وإجبار ياسمين على التوقيع ليلاً. دخل جلال المنزل دون استئذان، وعيناه تشعان شرًا، وقال: "سمعت إنكم بتحفروا في الأرض... شكلكم لقيتوا حاجة مش بتاعتكم". حاولت ياسمين إخفاء الصندوق خلف ظهرها، لكن جلال لمح طرفه وصاح في رجاله: "هاتوا الصندوق ده واخلصوا من العجزة دول!". اندفع الرجال نحو عم إبراهيم الذي وقف كالأسد العجوز يحمي زوجته وياسمين، مستخدمًا منجله القديم. دارت معركة حامية داخل الردهة الضيقة؛ تكسر الأثاث وتطايرت الشظايا، وتلقت خالة زينب ضربة على ذراعها وهي تحاول حماية ياسمين. وفي لحظة خاطفة، استجمعت ياسمين كل قوتها ورفعت المنجل في وجه جلال مباشرة وصاحت بصوت هز جدران البيت: "خطوة واحدة كمان وهقتلك يا جلال! الشرطة زمانها في الطريق، وأوراق تزويرك ونصبك وبقرتي اللي سرقتها كلها معايا!".
تراجع جلال خطوة للخلف عندما رأى الإصرار والموت في عيني الفتاة، ورأى الدماء تسيل من جبهة عم إبراهيم الذي لم يستسلم رغم كبر سنه. وفي تلك اللحظة بالذات، دوت أصوات سرينة سيارات الشرطة في الخارج؛ فالشيخ عبد الرحمن كان قد أبلغ المركز بناءً على طلب ياسمين السابق عندما علمت بخطورة الموقف. شعر جلال بالرعب وحاول الهروب من الباب الخلفي، لكن رجال الشرطة كانوا قد حاصروا المكان تمامًا وقبضوا عليه وعلى رجاله متلبسين بالاعتداء ومحاولة السرقة بالإكراه. سقطت ياسمين على ركبتيها تبكي، ليس خوفاً بل فرجاً، وأسرعت نحو عم إبراهيم وخالة زينب تضمهم بقوة وتعتذر لهم عما أصابهم بسببها. قال لها إبراهيم وهو يبتسم برغم جرحه: "دموعك دي غالية يا بنتي، النهارده رجع حقك، وبكرة هيرجع حقنا إحنا كمان".
في الأيام التالية، تولت النيابة التحقيق في القضية. أثبتت الأوراق المستخرجة من الصندوق تزوير جلال لكل عقود الديون، وتمت تبرئة ذمة المزرعة تمامًا، بل وألزمت المحكمة جلال برد المبالغ التي اقترضها من والدها مع التعويض، وأعيدت البقرة "بالوما" إلى حظيرتها وسط فرحة عارمة. انقلبت الآية في القرية، وأصبح الجميع يتحدث عن شجاعة الفتاة وعن العجوزين الذين ظهرا من العدم ليغيرا مصير المزرعة. وبفضل الأموال التي استردتها ياسمين، قامت بسداد كافة الديون الصغيرة الأخرى وبدأت في ترميم المزرعة وتوسيعها. وعرضت على عم إبراهيم وخالة زينب شراكة كاملة في المزرعة؛ فالمكان لم يعد مجرد بيت لياسمين، بل أصبح وطناً لهما يعوضهما عن غدر ابنهما.
ومع مرور الأشهر، تحولت المزرعة إلى واحدة من أكبر مزارع المنطقة، واشترت ياسمين مواشي جديدة وأصبح للبيت رنين دائم بالضحك والخير. وفي ليلة شتوية تشبه تمامًا تلك الليلة التي بدأت فيها الحكاية، جلست ياسمين مع عم إبراهيم وخالة زينب حول المدفأة، يشربون الشاي ويأكلون الحلوى. نظرت ياسمين إلى الباب الخارجي ثم التفتت إليهما وقالت وعيناها تلمعان بالامتنان: "عارفين... أنا ليلتها كنت فاكرة إن فيه حرامية مستخبيين في الحظيرة عشان يسرقوني... مكنتش أعرف إن ربنا بعتلي أغلى كنز في حياتي، السر مكنش في الصندوق المدفون، السر كان في القلوب اللي دخلت بيتي وملته بركة وأمان". ابتسم عم إبراهيم وهز رأسه، بينما ضمت خالة زينب ياسمين إلى صدرها، وعمّ الدفء أرجاء البيت الذي لن يعرف البرد أو الوحدة بعد اليوم.
 

تم نسخ الرابط