حماتي طلبت مني هدايا الفرح
ليلة العمر التي خططتُ لها لشهور، تحولت في ثوانٍ معدودات إلى ساحة معركة قضائية ودراما عائلية لم يشهدها أحد من قبل. من الخارج، كانت القاعة الملكية في ذلك الفندق الفخم تضج بالحياة، أضواء الثريات الكريستالية تنعكس على فستاني الأبيض الطويل، والموسيقى تملأ الأرجاء، والضحكات تتعالى من مئات المعازيم الذين جاءوا ليفرحوا ب عروسين ظن الجميع أنهما قصة الحب المثالية. لكن خلف تلك الستائر البراقة، كانت هناك خيوط مؤامرة تُنسج ضدي من حماتي وابنها، مؤامرة محورها جشع عائلة وثقتي التي لم تكن عمياء بالقدر الذي تمنوه.
بدأت الأزمة الحقيقية قبل الفرح بأربعة أشهر كاملة. كانت حماتي، السيدة نادية، تملك فضولاً مرضيًا يتخفى وراء قناع من الحب والاهتمام. لم تترك مناسبة إلا وحاولت فيها معرفة حجم حساباتي البنكية، وتفاصيل الممتلكات التي ورثتها عن والدتي، بل وحاولت التدخل في كيفية إدارتي لشركتي الخاصة بالتصميم. كان جوزي، طارق، يبدو دائمًا محايدًا، يقول لي بابتسامة باهتة أمي تحبكِ وتعتبركِ ابنتها، وتريد فقط الاطمئنان على مستقبلكِ. لكن عيني لم تكن غافلة عن نظرات الجشع في عيونهم، خاصة عندما يتعلق الأمر بأخيه الأصغر، رامز.
رامز كان الشاب المدلل في العائلة، وكان غارقًا حتى أذنيه في ديون القمار لدرجة جعلت ملاحقيه يهددون العائلة بالقتل أو السجن. وفي كل مرة، كانت حماتي تخرج لتقول إنها مجرد أزمة عابرة وستمر، وكان طارق يستنزف مدخراته لإنقاذ أخيه، حتى أتى اليوم الذي جفت فيه منابع طارق، والتفتت الأنظار كلها نحوي، ونحو خزنة هدايا الفرح النوتي والمبالغ الضخمة التي كان من المتوقع أن يقدمها رجال الأعمال من أصدقاء والدي كأظرف وهدايا مالية.
لأنني لم أكن ساذجة، ولأن والدي علمني أن القانون يحمي المغفلين، طلبتُ من محاميتي الخاصة، الأستاذة فريدة، كتابة اتفاق ما قبل الزواج Prenuptial Agreement. عندما عرضتُ الورق على طارق قبل الزفاف بأسابيع، ضحك باستهزاء، وراجعه محاميه الذي أخبره أن هذه الأوراق مجرد شكليات برستيج لإرضاء والدي الثري، ولا قيمة فعلية لها طالما أنه لن يؤذيني. وقع طارق على الاتفاق وهو يشعر بالفخر، ظنًا منه أنه يساير جنوني المؤقت، ولم يقرأ السطور الدقيقة التي صاغتها فريدة بعناية فائقة بند واضح وصريح ينص على أن أي عنف جسدي، أو سرقة، أو نصب، أو محاولة للاستيلاء على ممتلكاتي الخاصة أو الهدايا التي تُقدم لي، يُفعل العقد فورًا كقضية جنائية مدعومة بتعويض مالي ضخم، وتنتقل ملكية أي أصول مشتركة لي بالكامل، مع حق الاستعانة بالأمن والشرطة لتنفيذ البند في أي مكان وأي وقت.
وجاءت الليلة الموعودة. في منتصف الفرح، وبينما كنت أقف بجانب ترابيزة التورتة الضخمة، اقتربت مني حماتي بخطوات سريعة وعيون تلمع بالتوتر والجشع. لم تبارك لي، بل همست في أذني بنبرة حادة كالسيف اسمعي يا حبيبتي، أخو جوزك رامز واقف برة القاعة ورجالته مستنيينه، الديانة هيحبسوه الليلة. إحنا محتاجين مفتاح خزنة الهدايا اللي ورا الكوشة فورًا عشان نسدد ديونه ونخلص من المصيبة دي.
نظرتُ إليها، وحافظت على هدوئي التام. تذكرت كل محاولاتها السابقة للسيطرة عليّ، وأدركت أن هذه هي اللحظة الحاسمة. قلت لها بصوت مسموع وهادئ الفلوس دي بتاعتي وبتاعة جوزي... مش علشان تتحل بيها مشاكل حد.
لم تتوقع نادية هذا الرد الصارم. التفتت إلى طارق الذي كان يقف على بعد خطوات، وصاحت بصوت مكتوم شايف يا طارق؟ مراتك بتبخل على أخوك بفلوس هي مش محتاجاها! بتموتنا من الرعب وهو دمه ممكن يسيح برة القاعة!. فجأة، وبدون أي مقدمات، لف طارق ناحيتي، ورفع يده وضد كل التوقعات، ضربني بالقلم على وشي قدام مئات المعازيم.
توقفت الأنفاس في القاعة. انقطعت الموسيقى فجأة وكأن الأجهزة أصيبت بشلل. ساد صمت مرعب لدرجة أن صوت قطرات نافورة الشمبانيا في زاوية القاعة كان مسموعًا بوضوح. كل اللي كانوا موجودين، من أصدقائي وعائلتي ومعازيم طارق، افتكروا إني هانهار وأعيط، أو إني هجري برة القاعة وأنا بلملم فستاني الأبيض الممزق من الصدمة.
لكن أنا ابتسمت. ابتسامة باردة، واثقة، وجعلت طارق يتراجع خطوة للخلف غريزيًا.
وفي نفس اللحظة، وكأن الأمر مشهد سينمائي تم الترتيب له بدقة ثانية بثانية، انفتح باب قاعة الفرح الرئيسي بقوة. ودخلت محاميتي الأستاذة فريدة، مرتدية بدلتها السوداء الرسمية، وهي شايلة ملف أسود سميك. لم تكن وحدها؛ خلفها كان يسير موظف توثيق من الشهر العقاري، واثنان من رجال الأمن بملابسهم الرسمية، ومدير الفندق بنفسه.
تقدمت فريدة بخطوات ثابتة وسط ذهول المعازيم، وقالت بصوت عالي تردد في أركان القاعة قبل ما حد يمد إيده على جنيه واحد... لازم كل اللي هنا يعرف إيه اللي هيحصل بعد كده.
القاعة كلها سكتت، والعيون تحولت بيني وبين طارق وأمه. بصيت لجوزي، ولقيت أمه واقفة مبتسمة بجانبه، كأن اللي حصل كان طبيعي، وكأن ضرب زوجته أمام الناس هو انتصار لعشيرتها. قالت وهي بتشاور على خزنة الهدايا الخشبية المزينة بالساتان الأبيض هاتيلنا الخزنة... أخو جوزك محتاج الفلوس اللي فيها الليلة، والورق اللي معاكِ ده بليه واشربي ميته.
بصيت لجوزي وطارق بكل برود وقلت الخزنة دي مش صندوق إنقاذ لعيلتكم. رد عليا بالقلم التاني، بقوة أكبر، وكأنه يحاول استعادة رجولته المهدرة أمام الحاضرين. شهقة جماعية طلعت من كل اللي في القاعة. أبويا، برجليه السبعينية، حاول يجري عليا وهو بيصرخ بغضب وعيونه مليانة دموع، لكن رفعت إيدي في الهوا ووقفته، مشيرة له بأن يتراجع.
جوزي افتكر إن رفع إيدي لوالدي معناه إني استسلمت وخفت من الفضيحة. قال بغضب وصوت جهوري إنتِ أحرجتي أمي... اعتذري لها حالاً وبوسي إيدها، وهاتي المفتاح. وشي كان بيولع من الضربة، وطرحة الفرح الدانتيل وقعت من على شعري على الأرض، وطفل صغير في الصف الأول بدأ يعيط من الخضة والرعب اللي ملى المكان.
حماتي قربت مني، وعيونها تملأها الشماتة والنصر، وقالت إنتِ دخلتي العيلة دي... وكل حاجة جبتيها، من الشقة للعربية للشركات وحتى الفلوس اللي في الخزنة دي، بقت ملكنا. إحنا اللي نعمل القانون هنا.
الجملة دي كانت بالضبط اللي كنت مستنياها. كانت الاعتراف الصريح بالاستيلاء والنصب أمام مئات الشهود، وأمام كاميرات الفيديو الفندقية المعلقة في سقف القاعة والتي كانت تسجل كل كادر بطلب مسبق مني للمخرج.
ابتسمت تاني. جوزي أول واحد اتغير لونه، واصفر وشه تمامًا، لأنه كان عارف إن ابتسامتي الهادية دي وراها دمار شامل، كان يذكرها جيدًا عندما ربحت قضيتي ضد منافسي في السوق.
قبل ما ينطق بطبيعة خوفه، تقدمت فريدة وحطت الملف الأسود على ترابيزة التورتة، بجانب السكين الضخم. حماتي ضحكت باستهزاء وقالت إيه ده؟ إحنا في فرح ولا في محكمة؟ لمي نفسك يا سيت المحامية واطلعي برة.
مددتُ يدي، وخلعت دبلة الجواز من صباعي، ورميتها