كل ليلة الساعة 3 الفجر
كل ليلة، الساعة كانت بتدق 3 الفجر بالظبط، وصوت الدش كان بيصحّيني من النوم. في الأول كنت بقنع نفسي إنها مجرد عادة غريبة أو ضغط شغل، لكن اللي شوفته في الليلة دي كشفلي الحقيقة المرة... وعرفت ابني على حقيقته. المية كانت بتنزل بقوة، وصوتها مالي الشقة كلها. خرجت من أوضتي أمشي على أطراف صوابعي لحد باب الحمام، ولقيته موارب سنة بسيطة. بصّيت من الفتحة... واتجمدت مكاني. كان واقف، هدوم النوم مبلولة، وماسك مراته من شعرها بإيده، وجابرها تقف تحت الدش البارد وهي لسه لابسة هدومها. كانت بتترعش من السقعة، وسنانها بتخبط في بعض، وهو قرّب منها وهمسلها لسه فاكرة إنك تقدري تردي عليّا؟ وفي اللحظة اللي بعدها... ضربها. اتخبطت في جنب الحمام، وشفايفها كانت بترتعش، لكنها ما صرختش. كل اللي خرج منها كان صوت مكتوم... صوت واحدة اتعودت إن الصريخ بيجيب وجع أكبر. في اللحظة دي... عرفت كل حاجة. أنا قبل كده كنت متجوزة راجل كان بيعشق الإهانة والسيطرة. عرفت النظرة دي، وعرفت القبضة دي، وعرفت العقاب اللي بيتعمل ورا البيبان المقفولة بعيد عن عيون الناس.
لما بلغت خمسة وستين سنة واتقاعدت، ابني أقنعني أسيب بيتي وأعيش معاه في شقته الفخمة. جالي بنفسه، شال شنطي، وقال بابتسامة يا أمي، مش بعرف أركز في شغلي وأنا قلقان عليكي. كان شكله قدام الناس راجل محترم وناجح. مراته استقبلتني بكل ذوق، لكن وأنا قاعدة معاهم على السفرة، لاحظت إنها كل ما يتكلم تنتفض من مكانها. قومي هاتي لأمي طبق شوربة. إيه اللي مخليكي ساكتة كده؟ مكانش بيعلي صوته... ماكانش محتاج. وبعدها بدأت حكاية الدش. كل ليلة... الساعة 3 الفجر. أول مرة سألته، قال إنها مجرد طريقة بيفصل بيها من ضغط الشغل. مراته ساعتها اتوترت، لكن بسرعة وافقته. وبعدين اتكرر الموضوع... كل ليلة. لحد ما النوم هرب من عيني. ابتديت ألاحظ الكدمات اللي بتحاول تخبيها تحت الكم، والورم اللي حوالين عينيها، والخوف اللي بيظهر على وشها قبل ما ترد على أي سؤال. في يوم سألتها بهدوء هو اللي عمل فيكي كده؟ اتخضت جامد، وكادت توقع الحاجة اللي في إيدها. قالت بسرعة لأ... خبطت نفسي في المكتب. كدبة أنا حافظاها. كل ست اتعرضت للعنف قالتها في يوم من الأيام.
بعدها بيوم قلتله بلاش تشغل الدش الساعة 3 الفجر كل يوم. وشه اتغير في ثانية. الابتسامة اختفت. وقال ببرود خليكي في تقاعدك... وما تدخليش في اللي مالكيش فيه. ورزع باب أوضته بعنف. وفي الليلة اللي شوفته فيها ماسكها من شعرها تحت المية الساقعة... كل الشكوك بقت يقين. كنت أتمنى أقول إني دخلت الحمام وأنقذتها. لكن الحقيقة... ماقدرتش. جسمي افتكر خوفي القديم قبل ما عقلي يتحرك. رجعت أوضتي، استخبيت تحت البطانية، وفضلت أترعش وأنا بسمع صوت المية مكمل. الصبح قلتلهم إني ماشية. هو اعترض... عشان شكله قدام الناس. وهي عيطت... لأنها افتكرت إني بسيبها لوحدها. لكن سبت البيت، وروحت أعيش في دار هادية للمسنين. المكان كان هادي... لكن كل ليلة كنت بشوف صورتها وهي واقفة تحت الدش، وشعرها لازق في وشها، ولسه سامعة صوت القلم وسط دوشة المية. بعد أسبوع، زميلة قديمة قالتلي جملة غيرت كل حاجة لو انتي عارفة وساكتة... يبقى انتي سيبتيها تعيش نفس الكابوس اللي انتي هربتي منه.
بعدها بأيام، جت تزورني، وكانت مخبية كدمة جديدة جنب شعرها. قعدتها جنبي، ومسكت إيديها، وقلت ما تكدبيش عليّا تاني... أنا شفت كل حاجة. وشه اصفر. وأول حاجة عملتها... دافعت عنه. قالت مضغوط... ساعات أعصابه بتفلت... لكنه بيحبني. استنيتها تخلص. وبعدين قلتلها بطلي تحمي الراجل اللي كل يوم بيكسرك. ساعتها انهارت. حضنتني وهي بتعيط. ولما بدأت تحكي الحقيقة... طلعت أبشع بكتير مما كنت متخيلة. كان بيضربها عشان الأكل. وعشان الفلوس. وأوقات... من غير أي سبب. أقنعها تسيب شغلها، وبعدها بقى يستخدم الفلوس عشان يتحكم فيها. وقالتلي وهي مرعوبة بيقول لو سبت البيت هبقى معاياش حاجة... ومحدش هيصدقني. بصيتلها وقلت بثقة إنتي مش هتخرجي من هنا بإيد فاضية. بلغتها إني كلمت محامي طلاق قديم أعرفه. وقلنا لازم نجمع كل حاجة. صور. تسجيلات. تواريخ. مستندات. أي دليل يثبت الحقيقة. ومن يومها، بدأت تبعتلي الأدلة واحدة ورا التانية. صور للكدمات. تسجيلات لتهديداته. وملاحظات بكل مرة أهانها أو خوفها. ومع كل يوم... كانت بتسترجع قوتها. بقت واقفتها أقوى. وكلامها أثبت. ولأول مرة... شفت الغضب يغلب الخوف. لكن كان واضح إن اللحظة الأصعب لسه جاية. لازم تواجهه وتقول إنها ماشية. وفي صباح اليوم ده، وصلتني منها رسالة قصيرة هقوله الليلة.
اليوم كله عدى عليّا كأنه سنة. مش عرفت آكل. ولا أقعد. ولا أبعد الموبايل من إيدي. الساعة 1007 بالليل... رن تليفوني. رديت فورًا. في الأول... مفيش غير صوت نفسها. سريع. ومتقطع. قلتلها إنتي كويسة؟ بصوت مكسور قالت قلتله. قمت من مكاني بفزع. عمل إيه؟ قبل ما ترد... سمعت دوشة. خبطة جامدة. وحاجة اتكسرت. وبعدين صوته وهو بيزعق إنتي بتكلمي مين؟! سمعتها بتحاول تبعد. وهو بيصرخ اديني التليفون! بعدها... صرخة هزت قلبي. وصوت تكسير. صرخت بأعلى صوتي اهربة... اخرجي من البيت! ثواني مرعبة... سمعت فيها نفسهم الاتنين. وبعدين... الخط اتقفل.
الدنيا اسودت في عيني. التليفون اتقفل وصوت الصرخة لسه بيرن في وداني. ما فكرتش لثانية واحدة. دموعي نزلت من الرعب، وجسمي اللي كان بيترعش زمان من أبوه، اتملا بطاقة تانية خالص.. طاقة غضب ونار. جريت على مكتب الدار، صرخت في الموظف المسؤول اطلب الشرطة فورًا! ابني بيقتل مراته في الشقة! أديته العنوان وأنا بجرى لبره، ركبت أول تاكسي وقفت في الشارع، وقلت للسواق اطلع بأقصى سرعة، روح العنوان ده.. لو اتأخرت روح هتطلع. السكة كانت زحمة، وكل دقيقة كانت بتعدي كأنها مية سنة. كنت بدعي ربنا، بصلي، بستغفر، وبقول يا رب احميها، يا رب ما تخلينيش أعيش بذنبها طول عمري، أنا سيبتها مرة، مش هسيبها تموت.
لما التاكسي وصل، نزلت جري قبل ما يقف تمامًا. الشارع كان هادي، والشقة في الدور الثالث، النور كان منور. طلعت السلم وأنا بنهج، قلبي كان هيقف من الخوف. وصلت للباب، بدأت أخبط بكل قوتي، بايديا ورجلي افتح الباب! افتح يا إبراهيم! افتح يا مجرم! مفيش رد. فجأة سمعت صوت أنين مكتوم من جوه، وصوت حد بيتحرك ببطء. وفجأة.. الباب اتفتح.
كان هو. هدومه متبهدلة، وفي خدوش على وشه، وشه كان أحمر من الغل وعينيه غايبة عن الوعي. بصلي بذهول وغضب أمي؟ إيه اللي جابك هنا في وقت زي ده؟ زقيته بكل قوتي ودخلت جوه الشقة وأنا بصرخ فين مرام؟! عملت فيها إيه؟! الصالة كانت مقلوبة، فازة مكسورة على الأرض، والترابيزة مش في مكانها. جريت على الممر، ولقيت باب الحمام مفتوح. المية كانت شغالة.. صوت الدش المرعب اللي بيطاردني في كوابيسي.
دخلت الحمام.. ولقيتها. كانت واقعة على الأرض تحت المية الساقعة، هدومها كلها مبلولة، وشها مليان