فخ الحقيقة

لمحة نيوز

بدأت حكايتي لما أخت جوزي، اللي ساكنة في نفس شارع أمي، شافتني وقالت لأخوها عليا. اتقدم لي، ووافقت وأنا كلي أمل في حياة هادية. اتجوزت وعشت معاهم في بيت العيلة، عيشة واحدة، ناكل ونشرب سوا، وخدمة وتعب مبيخلصش. فضلت على الحال ده 7 سنين كاملين، خلفت فيهم ولادي، ولما كبروا وبقوا في المدارس، لقيت نفسي مش عارفة أوفق بين إني نازلة طالعة طول اليوم في خدمة البيت كله، وبين إني أقعد أذاكر لولادي وأهتم بمستقبلهم. حسيت بالمسؤولية بتزيد، فطلبت من جوزي بكل أدب اننا نعيش في شقة لوحدنا ونستقل. بعد محايلة ورجاء مني، راح قال لأمه، ومن ساعتها وحماتي اتقلبت 180 درجة؛ بقت تبص لي من فوق لتحت، ومفتحتش معايا أي كلام، وجوزي قالي عشان يهديني لما المدارس تبدأ نبقى نقعد لوحدنا. وفي يوم، كنت نازلة رايحة أزور أمي، لقيت حماتي منها لله جايبالي شنطة كبيرة وتقيلة قوي، وقالت لي بنبرة هادية معلش يا بنتي، حوديها لبتي وأنتِ ماشية في طريقك. أخدتها منها بنية صافية، ولأن الشنطة كانت تقيلة جداً ومقدرتش أشيلها، ركبت توكتوك لحد باب الشارع. أول ما نزلت من التوكتوك، اتفاجأت بجوزي واقف على باب شارع أمي، وعيونه بتطق شرار! بص للشنطة وزعق فيا وقال إيه الشنطة ديه؟ أنتِ عايزة تقعدي لوحدك علشان خيري كله يبقى عند أمك؟!. انصدمت، وحاولت أشرح له وأقسم له إن الشنطة ديه أمه اللي مديهالي عشان أوديها لأخته، مسمعنيش، وجرجرني من إيدي بقسوة قدام الناس ورجعني لحد بيت العيلة. أول ما دخلنا، لقيت حماتي عاملة نفسها نايمة، جريت عليها وأنا بعيط وبقول لها قولي لابنك الحقيقة يا حماتي! مش أنتِ اللي بعتي الحجات ديه لبنتك وأنا ماليش ذنب؟. بصت لي بكل برود وغل وقالت أنا بعتهم إمتى؟! أنتِ بتستغلي وقت نومي وتدخلي تسرقي البيت!. وقفت مذهولة من كمية الفجر والكذب، وجوزي فتح الشنطة قدامي وهو مليان غل، ولقينا فيها سكر، ورز، ومكرونة، وشاي، وزيت، وملح، وبطاطس، وكيس بانيه. حماتي ميرحمهاش ربنا فضلت تشتم فيا وتبهدلني بأبشع الألفاظ، ولما انقهرت وقولت لها حسبي الله ونعم الوكيل فيكي، جوزي اتجنن ونزل فيا ضرب وصرخ في وشي كلميها كويس!. يومها سيبت البيت ودموعي مغرقة وشي، ورجعت بيت أهلي مكسورة ومظلومة، وطلعت في نظرهم ونظر الناس حرامية، وهي اللي مدياني الحاجة بإيدها عشان تعمل لي الفخ ده. بقالي شهرين كاملين بعيد عن ولادي، وحشوني لدرجة تموت، وقلبي بيتقطع عليهم كل ثانية. سيبتهم عند أبوهم، وهو دلوقتي بيلوي دراعي بيهم وبيقولي عايزة ترجعي؟ مفيش عزلة، وتبوسي إيد أمي ورأسها، وقبل ما تخرجي من البيت توريها أنتِ واخدة إيه معاكي!. أنا دلوقتي في بيت أهلي، تايهة ومش عارفة أعمل إيه.. بين كرامتي اللي اتهانت واتهموني في شرفي وأمانتي، وبين قلبي اللي هيقف من غير ولادي. وحسبي الله ونعم الوكيل في كل اللي ظلمني. مرت الأيام والساعات في بيت أهلي كأنها جمر يحرق روحي، وكنت أستيقظ كل ليلة على صوت بكاء أطفالي يتراءى لي في منامي، فأصحو وأنا أتحسس الفراش حولي فلا أجد إلا وسادتي المبتلة بالدموع. كان والدي يراقب انكساري بحزن صامت، بينما كانت أمي تحاول جاهدة أن تخفف عني بكلمات الصبر والدعاء، لكن الظلم كان أثقل من أن تداويه الكلمات، والسمعة التي تلوثت في المنطقة بسبب كذب حماتي وجبروت زوجي أصبحت سياجاً يحاصرني ويمنعني حتى من النظر من نافذة غرفتي. حاولت في الأسبوع الثالث أن أتصل بزوجي لأستعطفه من أجل رؤية الأولاد فقط، لكنه رد علي ببرود وجفاء لا يصدران من رجل عاشرتُه سبع سنوات، وقال لي إن مكاني ليس في قلبه ولا في بيته إلا إذا جئت زاحفة تحت قدمي أمه لتغفر لي سرقتي المزعومة. شعرت حينها أن روحي تنسحب مني، كيف يمكن لإنسان أن ينام ملء جفنيه وهو يعلم أنه ظلم نفساً بريئة وصنع لها مكيدة دمرت حياتها واستقرارها؟ وأخذت الأفكار تتقاذفني بين خيارين أحلاهما علقم؛ إما أن أتنازل عن شرفي وأمانتي وأقبل بأن أعيش بقية عمري تحت مسمى الحرامية التي عُفي عنها بشرط الإذلال والتفتيش اليومي، وإما أن أظل متمسكة بكرامتي وأحرم من فلذات كبدي الذين هم كل ما خرجت به من هذه الدنيا. في غمرة هذا العذاب النفسي، انتبه شقيقي الأكبر لإصرار زوجي وحماتي على عدم إعطائي أي فرصة للنقاش، وشعر بأن هناك حلقة مفقودة في هذه القصة المحبكة، فكيف علم زوجي بوجودي في ذلك الشارع بالتحديد وفي ذلك التوقيت بالذات وبيده الهاتف يصور الحقيبة؟ بدأ أخي يتحرك في الخفاء، متوجهاً إلى الشارع الذي تقطن فيه أخت زوجي، وهو نفس الشارع الذي نزلت فيه من التوكتوك، وهناك بدأ يسأل أصحاب المحلات التجارية بذكاء ودون إثارة الشبهات عما إذا كانت هناك كاميرات مراقبة قد سجلت

تم نسخ الرابط