فخ الحقيقة

لمحة نيوز

المشاجرة التي حدثت قبل شهرين. وبعد جهد جهيد وتواصل مع صاحب محل بقالة كبير يضع كاميراته بزاوية كاشفة للشارع بأكمله، وافق الرجل بعد إلحاح شديد وشرح للمأساة على تفريغ تسجيلات ذلك اليوم المشهود. كانت المفاجأة التي هزت كياننا جميعاً وفتحت باب الأمل؛ الكاميرا لم تسجل فقط لحظة نزولي وجرجرتي بقسوة، بل سجلت شيئاً أبعد من ذلك بكثير، حيث رصدت في الجزء العلوي من الكادر مكالمة هاتفية أجرتها أخت زوجي وهي تقف في شرفتها قبل وصولي بعشر دقائق، تلاها وصول زوجي على دراجته النارية واختباؤه خلف شجرة ضخمة منتظراً وصولي، مما يثبت التنسيق المسبق والترصد. لم يكتفِ شقيقي بذلك، بل ذهب إلى الشارع المقابل لبيت العائلة، واستطاع من خلال كاميرا صيدلية قريبة أن يحصل على اللقطة الحاسمة والقاتلة؛ لقطة واضحة لحماتي وهي تخرج من باب المنزل وبيدها ذات الحقيبة الثقيلة، وتلتفت حولها بريبة قبل أن تنادي عليّ وتعطيني إياها بنظرات ملؤها الخبث والمكر، وتظهر اللقطات بوضوح أنني لم أدخل المطبخ ولم أستغل نومها بل هي من كانت تنتظر خروجي لتنفيذ خطتها. عندما شاهدتُ مقاطع الفيديو هذه في بيت أهلي، انهمرت دموعي بغزارة، لكنها لم تكن دموع انكسار هذه المرة، بل كانت دموع الفرج وبداية استرداد الكرامة المسلوبة، وشعرت بأن الله سبحانه وتعالى لم يرضَ بظلمي وأظهر براءتي من فوق سبع سماوات. اتفقت مع والدي وإخوتي على ألا نتسرع في إظهار هذا الدليل، وأن نلعب اللعبة بنفس البرود والمكر الذي استخدموه ضدي، فقمت بإرسال رسالة نصية قصيرة إلى زوجي أقول فيها أنا تعبت من البعد عن ولادي، ومستعدة أرجع وأنفذ كل شروطك وبوس رأس والدتك قدام العيلة كلها بس رجعني لبيتي وولادي. لم تمر دقائق حتى رن هاتفي، وكان صوته يقطر شماتة وانتصاراً وهو يملي عليّ شروط العودة ويخبرني بأن والدته حددت مساء غدٍ الجمعة ليكون موعداً لجلسة اعتذاري أمام أعمامه وأخواله ليكون الخزي كاملاً. وافقتُ بقلب ثابت ونبرة منكسرة مصطنعة، وفي مساء اليوم التالي، توجهتُ إلى بيت العائلة برفقة والدي وإخوتي الأربعة، وكان البيت يضج بالحاضرين الذين جمعتهم حماتي لتشهد على انكساري وتثبت تهمة السرقة عليّ أمام الجميع وتكسر شوكتي للأبد. دخلتُ والصمت يلف المكان، وكانت حماتي تجلس على مقعدها المرتفع كالملكة، وتنظر إليّ بعيون تملؤها السخرية والشماتة، بينما وقف زوجي عاقداً ذراعيه بزهو وفخر وهو يقول يالا يا بنت الناس، ورينا هتعملي إيه عشان تصفي حسابك وتعتذري لأمي قدام الكل وتتعهدي إنك مش هتمدي إيدك على حاجة مش بتاعتك تاني. تقدم والدي بخطوات ثابتة ووقار شديد، وجلس وسط المجلس وعلامات الهدوء الشديد ترتسم على وجهه، ونظر إلى زوجي وحماتي وقال بصوت جهوري سمعه كل من في البيت نحن جئنا اليوم لنعطي كل ذي حق حقه، ولأن الكرامة لا تُباع ولا تُشترى، ولأن ابنتي تربت في بيت شرف وأمانة، فإننا قبل أن تنحني لتبوس الرأس، نريد من الجميع أن يشاهد هذا المقطع الصغير ليتأكدوا من حجم الأمانة التي تحملها ابنتنا. أخرج شقيقي الأكبر هاتفاً موصلاً بشاشة عرض صغيرة أحضرها معه، وضغط على زر التشغيل لتبدأ مقاطع الفيديو في العرض بصوت وصورة فائقي الوضوح. ساد صمت رهيب ومفاجئ في القاعة، وتحولت نظرات الأقارب من الشماتة إلى الذهول التام والوجوم وهم يرون حماتي بالدليل القاطع وهي تجهز الحقيبة وتخرج بها وتتربص بي لتعطيني إياها، ثم لقطة أخت زوجي وهي توجه زوجي هاتفياً ليتلقفني عند باب الشارع ويدعي السرقة. سقط قناع الورع والتقوى عن وجه حماتي وتجمدت الدماء في عروقها وبدأت ترتجف وهي ترى كذبها ومكيدتها تفتضح أمام أشقائها وأقاربها، وتحول وجه زوجي إلى السواد التام والذهول وهو ينظر إلى الشاشة ثم إلى والدته غير مصدق أن اللعبة انقشبت بالكامل في ثوانٍ معدودة. وقفتُ في وسط المجلس، ورفعتُ رأسي عالياً بعد شهرين من الانحناء، ونظرتُ في عيون زوجي وعيون أمه التي زاغت من الخوف والفضيحة، وقلت بصوت قوي زلزل أركان البيت ونفض عني غبار الظلم والقهر الآن ستبدأ الحكاية الحقيقية، ولن أخرج من هذا البيت إلا وأولادي في حضني، وحق السبع سنوات والظلم والضرب والتشهير بيدفع الجميع ثمنه غالياً من سمعتهم وكرامتهم أمام الله وأمام الناس، وحسبي الله ونعم الوكيل في كل من خطط ودبر ونفذ، والآن القضاء هو الحكم بيننا يا من ائتمنتكم على نفسي فكنتم خائنين للأمانة!.

تم نسخ الرابط