بعد ثلاثة أيام
طبق عشا تاني نظيف، وبطلي تحرجيني وتعملي مشاكل من مفيش"، وساعتها، وسط ركام الزجاج المظلم، افتكرت حقيقة هامة كانت قد غابت عني وسط ذهولي، تذكرت أننا واقفين في بيتي أنا، هذا البيت الذي دفعته ثمنه من سهر ليالي وشقاء سنين طويلة قبل أن أعرف اسمه حتى، ومع كل ذلك، كان يقف في وسطه ويكلمني كأني خدامة عنده بلا حقوق ولا كرامة، فرجعت لورا بهدوء متجهة ناحية الطرقة المؤدية إلى الباب الخارجي، فلاحظ حركتي وقال بعصبية وخطواته تلاحقني: "رايحة فين؟ أنا بكلمك هنا!"، فالتفتُّ وقلت بروح ترفض الانكسار: "هكلم الشرطة.. مش هسكت على اللي عملته"، وفي أجزاء من الثانية تغير وجهه تماماً وهرب الدم من عروقه وحل الذعر مكان الجبروت، فمد يده بسرعة خاطفة لكي يأخذ موبايلي الذي كان موضوعاً فوق رخامة المطبخ لكي يمنعني، لكن أخته رنا كانت أسرع منه بكثير، إذ قفزت من مكانها وخطفت الهاتف ببراعة وخبته وراء ظهرها وهي تنظر إليه بتحدٍّ غريب، فبصر إليها بزجر وقال لها بنبرة تحمل وعيداً حقيقياً: "إوعي يا رنا.. هاتي الموبيل ده وبطلي جنان"، وفضلت باصة له كام ثانية بصمت غامض، وبعدها التفتت إليّ وقالت بهدوء شديد وثبات عجيب: "اطلعي فوق يا منى واقفلي على نفسك الأوضة بالمفتاح.. أنا هتصل بالشرطة بنفسي"، وما إن سمع كلماتها حتى جن جنونه واندفع نحوها ومسك ذراعها بعنف وقسوة شديدين لكي ينتزع الهاتف منها، فصرخت أخته من الألم والوجع، ولم أستطع الوقوف متفرجة فجريت ناحيتها بكل قوتي وزقيته بكل عزمي، فاختل توازنه وتراجع إلى الخلف واتخبط بقوة في الثلاجة، لكنه مثل الوحش الجريح وقف ثانياً بسرعة كبيرة وسد عليّ وعليها طريق الممر المؤدي للباب، وزعق بصوت جهوري مجنون وقال: "إنتِ مراتي! مش كل مرة يحصل موقف تروحي تبلغي الشرطة وتفضحينا!"، وقبل أن تخرج الكلمات من فمي لأرد على منطقه المعوج، سمعنا جميعاً خبطاً قاطعاً وقوياً جداً على باب الشقة الخارجي، وجاء صوت جهوري من خلف الخشب يصرخ: "الشرطة.. افتح الباب فوراً!"، فأتجمد زوجي في مكانه وكأنه صُعق بكهرباء، وكانت أخته رنا لا تزال ماسكة الموبايل في يدها، ونظرتُ إلى الشاشة فوجدتها منورة وتؤكد أنها كانت بالفعل قد بلغت واستدعتهم منذ بداية الخناقة وقبل أن تنطق بكلمة واحدة في المطبخ، فلف زوجي ناحيتها ببطء شديد والذهول يملأ ملامحه، وكانت يدا رنا ترتعشان من الخوف والتوتر، لكن صوتها خرج ثابتاً وقوياً وهي تنظر في عينيه وتقول لي بكلمات نزلت على رأسي كالصاعقة: "كان المفروض أحذرك يا منى قبل الجواز.. هو عمل نفس الحاجة مع البنت اللي كانت مرتبطة بيه قبلك.. نفس الضرب والتحكم"، وساعتها نفسي اتقطع تماماً وشعرت بغثيان يجتاحني، وتذكرت كل الأكاذيب الكبرى التي نسجها حولي طوال فترة الخطوبة، فهو كان طول الوقت يملأ مسمعي بالدموع والأسى ويقول لي إن خطيبته السابقة وحب عمره الأول ماتت في حادثة سيارة أليمة من ست سنين وأنه عاش على ذكراها حتى التقاني، وفي هذه اللحظة بالذات، وسط طرقات الشرطة التي لم تتوقف وارتجاف الجدران من حولي، بدأت أشك بل تيقنت أن الحكاية كلها كانت كذبة سوداء مصممة بعناية لإخفاء حقيقة مرعبة عن رجل سيكوباتيك يتلذذ بكسر النساء، ومع فتح باب الشقة ودخول رجال الأمن، انفتح معهم كتاب ماضٍ مظلم كنت أظنني بطلة لقصة حب فيه، فإذا بي مجرد ضحية جديدة في طابور طويل من الضحايا المنتظرات خلف جدران بيتي المستباح.