قبل عيد جوازي بقلم نور محمد
سمعت صوت المفتاح في الباب.
طارق رجع من الشغل.
مسحت دموعي بسرعة، مكنتش عايزة نكد في اليوم ده، وكنت عارفة إن لو طارق عرف هيزعل وممكن يزعل أمه.
دخل طارق، كان جايب معاه وردة حمرا، ابتسملي بس أول ما شاف وشي، الابتسامة اختفت.
— ريم؟ مالك يا حبيبتي؟ بتعيطي ليه؟
هزيت رأسي:
— مفيش.. شوية إرهاق من ترويق الشقة.
قرب مني ومسك إيدي:
— ريم، أنا حافظك.. في إيه؟
قبل ما أنطق بحرف...
سمعنا صوت أمه من على السلم بتزعق:
— طارق! انزل لي حالاً! مراتك دي ملهاش قعدة في البيت ده تاني!
طارق ساب إيدي وبصلي بصدمة.
— هي أمي كانت هنا؟ قالتلك إيه يا ريم؟
دموعي غلبتني ونزلت تاني.
— طلبت مني أبيع غوايش ماما عشان تسدد ديون وليد.. ولما رفضت، زعلت وقالت كلام يوجع.
طارق ملامحه اتغيرت..
لأول مرة أشوف العروق نافرة في رقبته بالشكل ده.
الهدوء اللي دايماً متعودة عليه منه اختفى وبقى مكانه غضب أعمى.
قال بصوت مكتوم:
— أمي طلبت منك دهب مامتك؟
هزيت رأسي.
صوت أمه رن تاني من تحت:
— انزل يا طارق! بدل ما أطلع أنا أطردها في الشارع بهدومها!
طارق بصلي وقال:
— اقفلي الباب من جوه وماتفتحيش لحد.
— طارق، عشان خاطري بلاش مشاكل..
قاطعني بحسم:
— قولتلك اقفلي الباب.
ونزل.
وأنا فضلت واقفة ورا الباب، قلبي بيدق بسرعة مرعبة.
بعد ثواني، سمعت صوت طارق تحت بيزعق لأول مرة في حياته:
— دهب مراتي خط أحمر! حاجة أمها دي محدش يقربلها طول ما أنا عايش، واللي يغلط في مراتي يغلط فيا!
وبعدها...
سمعت حماتي بترد عليه وتقول جملة خلتني ألطم على وشي من الصدمة...
#الكاتبه_نور_محمد
صوت حماتي رن في البيت كله وهي بتصرخ بصوت مليان غل وجشع:
"الدهب ده مش مجرد زينة يا مغفل! الدهب ده جواه أوراق ملكية أرض التجمع اللي أبوك وأمها كانوا شركاء فيها.. أمها خبت العقود الأصلية الموثقة جوة الغوايش المجوفة دي قبل ما تموت عشان تحرمنا من حقنا!"
الجمود خيم على السلم كله. طارق اتسمر في مكانه، وأنا فتحت الباب ونزلت جري والذهول يأكل عقلي.
اتكشفت الحقيقة الكاملة اللي حماتي عاشت سنين تخبيها. أمي الله يرحمها كانت داخلة بشقى عمرها شريكة مع حمايا في قطعة أرض كبيرة في موقع متميز، ولما حست بدنو أجلها وعرفت طبيعة حماتي وطمعها الشديد، صممت الغوايش دي بشكل مجوف مخصوص عند صايغ أمانة، وخبت جواها الميكروفيلم وأوراق ملكية نصيبها الموثقة، ولبستهالي يوم خطوبتي وهي بتقولي: "دول سندك يا بنتي".. كانت تقصد سند بجد وحق حقيقي يحميني من الزمان!
وليد خرج من أوضته ووشه أصفر زي القماش القديم، واعترف وهو بيترعش إن ديونه مش بسبب مشاريع فاشلة ولا حاجة، لكنه كان متفق مع صايغ يشتري الغوايش ويكسرها يستخرج العقود، ويبيع الأرض لحسابه هو وأمه ويحرموني ويحرموا طارق من نصيبنا!
طالع طارق في أمه وأخوه بصدمة ووجع، وبصلي وأنا دموعي نازلة. في اللحظة دي، طارق أثبت إنه "السند" الحقيقي. وقف بكل قوة وصرخ في وشهم:
"بقى بتستغلوا طيبة مراتي وأمانة ست ميتة تحت التراب عشان تسرقوا حقها؟! الدهب ده مش هيلمسه حد، والأرض دي حق ريم بالقانون!"
طارق أخدني من إيدي وطلعنا شقتنا، وقفل الباب في وش الطمع والجشع. ثاني يوم، أخدنا الغوايش عند متخصص وبحضور محامي، واستخرجنا الأوراق القانونية سليمة مية في المية. اتثبت حقي الشرعي في نص الأرض اللي كانت قيمتها المادية تضمنلي حياه كريمة العمر كله.
طارق وقف لأخوه وليد بصرامة، وأجبره إنه يبيع عربيتها ويتحمل مسؤلية أخطائه بنفسه ويرد ديونه بعيد عننا، وحماتي لما لقيت إن طمعها كان هيخسرها ابنها الكبير ويدخل ابنها الصغير السجن، اتراجعت وجت لحد باب شقتي تبكي وتطلب السماح.
بايعنا نصيبي في الأرض بسعر خيالي، وطارق صمم إن كل جنيه يتدخل في حسابي البنكي الخاص. اشترينا شقة واسعة وجميلة في حي هادي بعيد عن النفوس المريضة، وطارق فتح شركته الخاصة للمحاسبة واستقل بحياته.
وفي ليلة عيد جوازنا الأولى في بيتنا الجديد، دخل عليا طارق وهو ماسك علبة قطيفة حمرا صغيرة. فتحها، ولقيت الغوايش رجعت لأيدي بعد ما اتصلحت واتلمعت، وجنبها خاتم ألمظ رقيق.
مسك إيدي ولبسهالي وقال بحب وصدق:
"حقك وكرامتك خط أحمر يا ريم.. أمك الله يرحمها سابتلك السند في الدهب، وأنا هفضل سندك وأمانك طول العمر."
حضنته ودموع الفرحة في عيني. اتأكدت إن الحق دايماً بيرجع لأصحابه، وإن الصبر والطيبة أصلهم خير، والبيت اللي بيتبني على الصدق والأمانة المودة فيه بتدوم للأبد.
#الكاتبه_نور_محمد