أبويا تاج راسي حصري لموقع لمحه

لمحة نيوز

بعده.. كان أول عيد شكر حقيقي في حياتي.. مش عشان الديك والحشو.. عشان أبويا قعد على راس الترابيزة.. وكلنا قاعدين حواليه.. بنسمعه وهو بيحكي عن المصنع.. وعن الحديد.. وعن الست اللي ربتني.. الله يرحمها.. ومراتي.. رجعت.. بس المرة دي.. رجعت وهي داخلة بتبوس راس أبويا.. وبتقوله
حقك عليا يا حاج.. أنا اللي ريحتي كانت وحشة.. مش انت
بعد ما مراتي باست راس أبويا وقالت له حقك عليا يا حاج.. أبويا اتجمد مكانه.. هو مش متعود حد يبوس راسه.. ولا متعود حد يقوله حقك عليا.. طول عمره هو اللي بيقول حقكم عليا لو اتأخر.. لو نسي عيد ميلاد.. لو مجاش عزومة عشان عنده وردية في المصنع
بص لي.. كأنه بيقولي أعمل ايه يا ابني.. أرد أقول ايه
قلت له قولها مسامحك يا بنتي.. دي بنتك برضه
قال لها بصوت واطي ومبحوح من السنين
مسامحك يا بنتي.. قومي اقعدي كلي.. الأكل هيبرد
ومن اليوم ده.. حاجات كتير اتغيرت.. مش بس في البيت.. فيا أنا كمان
مراتي رجعت البيت.. بس رجعت واحدة تانية خالص.. بقت كل يوم جمعة الصبح.. تقول لي يلا نعدي على أبوك نفطر معاه.. بقت هي اللي تتصل بيه وتقوله يا حاج عايز تاكل ايه النهاردة؟.. أعملك ملوخية؟.. ولا بامية؟.. انت بتحب البامية؟
أبويا بقى يتكسف.. يقول لها يا بنتي متتعبيش نفسك.. أنا بأكل أي حاجة.. شوية فول وخلاص
تقوله لا.. مفيش فول تاني في عيد ولا في جمعة.. انت هتاكل معانا أحلى أكل.. عشان انت اللي خيرك علينا كلنا
وبقت تاخد العيال.. عيالنا احنا.. وتوديهم يقعدوا مع جدهم في الورشة الصغيرة اللي ورا بيته.. الورشة اللي كان قافلها بقاله سنتين من ساعة ما تعب.. فتحها تاني.. ونضفها.. وبقى يعلم حفيدي الصغير.. اللي عنده 7 سنين.. ازاي يمسك المفك.. وازاي يربط مسمار.. وازاي يصنفر حتة خشب
حفيدي كان بيرجع البيت.. إيديه كلها شحم.. وهدومه متربة.. وريحته زيت.. ويجري على أمه يقول لها شمي يا ماما.. شمي.. بقيت ريحتي زي جدو
ومراتي بقت تضحك.. وتحضنه.. وتقول له أحلى ريحة في الدنيا.. ريحة الرجالة
حمايا وحماتي.. اللي كانوا شايفين أبويا بيئة ومش من مستواهم.. بقوا هما كمان ييجوا كل جمعة.. حمايا بقى يقعد مع أبويا بالساعات.. أبويا يحكي له عن المكن.. وعن الحديد الزهر.. وعن أيام المصنع لما كان بيشتغل 12 ساعة ويرجع ماشي على رجليه 3 كيلو عشان يوفر أجرة الأتوبيس.. وحمايا يسمع.. ومنبهر.. ويقول له
انت بطل يا حاج.. انت اللي بنيت البلد دي بجد.. احنا كنا قاعدين في مكاتب ومكيفات.. وانتو كنتو في النار
وحماتي.. اللي كانت بتقرف من ريحة الزيت.. بقت هي اللي بتعمل لأبويا كيكة كل جمعة.. وتقول له دوق يا حاج وقولي رأيك.. أصل أنا مش بعرف أعمل كيكة حلوة زي الستات بتوع زمان
أبويا كان بياكل حتة صغيرة ويقول لها تسلم إيدك يا بنتي.. زي العسل.. زي بتاعة المرحومة بالظبط
والست كانت تفرح.. وتدمع.. كأنها خدت وسام
أنا بقى.. اتعلمت درس عمري ما هنساه.. اتعلمت ان السكوت مش دايما حكمة.. وان ساعات لما تسكت عشان تحافظ على السلام.. انت بتبيع كرامة ناس بتحبك.. وبتخليهم يحسوا انهم قليلين
أنا كنت فاكر اني لما أسكت على كلمة ريحته ورشة.. أو أصله ميكانيكي.. أو أصله مش متعلم.. كنت بحافظ على بيتي.. بس أنا كنت بهد بيتي حتة حتة.. كنت بخلي أبويا يحس انه تقيل عليا.. وكنت بخلي مراتي تفتكر ان من حقها تعاير الناس بشغلها
لحد ما في يوم.. انفجرت.. وخدت الأكل ومشيت.. وده كان أحسن قرار خدته في حياتي.. مش عشان ربيت مراتي.. ولا عشان علمت حمايا الأدب.. لا.. عشان رجعت لأبويا كرامته.. ورجعت لنفسي احترامي لنفسي
بعدها بشهرين.. كان فيه عزومة كبيرة عندنا في البيت.. عيد ميلاد حفيدي الصغير.. عزمنا كل العيلة.. عيلتي وعيلة مراتي.. والبيت كان مليان ناس.. وأطفال بتجري.. وستات بتضحك في المطبخ
وأبويا كان قاعد على راس الترابيزة.. لابس الجاكيت القديم بتاعه.. اللي لسه فيه ريحة الزيت الخفيفة.. بس المرة دي كان غاسله ومكويه.. ومراتي هي اللي كويتهوله
وواحد من قرايب مراتي.. واحد شاب صغير.. لسه متخرج وبيشتغل في بنك.. ولابس بدلة ومتشيك.. دخل وسلم على الكل.. ولما وصل عند أبويا.. كشر شوية.. وقال بصوت واطي بس أنا سمعته
ايه الريحة دي؟
قبل ما أنا أرد.. وقبل ما أبويا يسمع ويتكسف.. لقيت مراتي هي اللي ردت.. وقفت قدامه.. وقالت له بصوت عالي سمعه كل اللي في الصالة
دي ريحة الراجل اللي بنى البيت اللي انت قاعد فيه دلوقتي.. دي ريحة الشقى الحلال.. اللي لو شمها أي راجل بجد.. هيعرف انها ريحة الرجولة.. لو مش عاجباك الريحة.. الباب مفتوح.. بس أبويا هيفضل قاعد على راس الترابيزة.. وريحته هتفضل في بيتي طول ما أنا عايشة
الواد اتحرج.. ووشه احمر.. وقال أنا آسف.. أنا مقصدش
أبويا ساعتها قام.. وخد الواد في حضنه.. وقال له
ولا يهمك يا ابني.. أنا عارف ان ريحتي مش حلوة زي برفاناتكم الغالية.. بس اعذرني.. أصل الريحة دي بقالها 50 سنة لازقة فيا.. وبحبها.. عشان بتفكرني بأمك.. بتفكرني بأيام ما كنت برجع من المصنع وأمك تقول لي خش استحمى بسرعة ريحتك جاز.. الله يرحمها كانت بتقولي كده وهي بتضحك
الناس كلها ضحكت.. وحضنت
أبويا.. والواد نفسه قعد جنب أبويا طول اليوم.. يسأله عن المصنع.. وعن الشغل.. وعن الحياة
وفي آخر اليوم.. بعد ما الناس مشيت.. والبيت فضي.. والمواعين اتغسلت.. قعدت أنا ومراتي وأبويا في الصالة.. بنشرب شاي.. وأبويا قال جملة عمري ما هنساها
قال تعرف يا ابني.. أنا طول عمري فاكر ان الحب انك تجيب فلوس كتير لعيالك.. وتشتري لهم بيت كبير.. وتعلمهم في مدارس غالية.. بس دلوقتي عرفت ان الحب.. انك تخلي ابنك يقف قصاد الدنيا كلها ويقول أبويا ده تاج راسي.. حتى لو ريحته ورشة
بصيت لمراتي.. لقيتها بتعيط.. وقالت له
انت تاج راسنا كلنا يا حاج.. انت البركة اللي في البيت
ومن ساعتها.. بقيت كل ما أدخل بيتي.. أشم ريحة الزيت الخفيفة اللي في جاكيت أبويا المتعلق على الباب.. وأبتسم.. وأقول الحمد لله.. الحمد لله اني في اليوم ده.. خدت الأكل ومشيت.. الحمد لله اني مقولتش ماشي وسكت.. الحمد لله اني اخترت ريحة الورشة.. على ريحة البرفان الكداب
عشان ريحة الورشة.. بتدوم.. انما البرفان الكداب.. بيطير مع أول شوية هوا

تم نسخ الرابط