خليكي ساكته حصري لموقع لمحه
محدش طلب رأيك يا ماما.. لو سمحتي خليكي ساكتة
ابني قالها قدام مراته وأهلها.. في نص عزومة عشا في بيته الكبير اللي في كومباوند مقفول
محدش على الترابيزة رفع عينه.. مراته فجأة بقت مركزة أوي في ضوافرها.. وحماها اللي كان مدير بنك ومتعود يتكلم كأن كل كلمة بيقولها قرار.. عمل نفسه مشغول بكباية النبيذ الغالي اللي قدامه.. وحماتها قعدت تظبط المفرش كأني أنا اللي مبوظة القعدة الحلوة
أنا ست عندي واحد وسبعين سنة.. واشتغلت ورا كاونتر محل حدايد وبويات لمدة أربعين سنة تقريبا
بعد ما جوزي مات وابني كان عنده خمس سنين.. المحل ده هو اللي فاتح بيتنا
كنت ببيع شكاير أسمنت وعدد كهربا ومواسير وجراكن بوية وآلاف المسامير لحد ما إيدي نشفت وبقت خشنة
ومن الفلوس دي دخلته مدرسة خاصة.. ودفعت له مصاريف جامعة غالية عشان يدرس هندسة.. ولما فتح مكتبه الخاص.. أنا اللي ضمنته بفلوسي عند التجار اللي بيوردوا له الخامات
اليوم ده ابني كان بيشتكي ان فيه تسريب ماية في التراس الجديد بتاعه.. وحماه اقترح عليه يجيب مقاول متخصص غالي جدا من العاصمة
وأنا غلطت ونصحته
قلت له بهدوء مش محتاج تدفع عشرات الآلاف.. انت بس محتاج تنضف السطح كويس وتقفل الفواصل وتدهن مادة عازلة نضيفة.. وأنا لسه أعرف كذا تاجر ممكن يعملك خصم
وش ابني اتغير فورا
محدش طلب رأيك يا ماما.. خليكي ساكتة.. احنا مش واقفين في محل الحدايد بتاعك
آخر جملة دي وجعتني أكتر من الزعيق
ساعتها فهمت ان نصيحتي هي اللي مضايقتهوش.. اللي مكسوف منه اني فكرت أهل مراته الأغنيا هو جاي منين
كان مكسوف من محلي القديم.. ومن إيدي الخشنة.. ومن كلامي الدغري.. ومن ريحة البوية والحدايد اللي هي اللي عملت له الحياة الفخمة اللي هو قاعد يتمنظر بيها دلوقتي
حطيت الشوكة بهدوء جنب الطبق
تصبحوا على خير يا جماعة
مراته قالت قوم وصلها لعربيتها
قال لها سيبيها تمشي.. هتهدى لوحدها
سمعت الجملة دي وأنا بقفل باب البيت ورايا
معيطتش
ركبت عربيتي النص نقل القديمة وروحت على بيتي الصغير البسيط.. هو مفيهوش رخام مستورد ولا كبيات كريستال.. بس خالص ومش عليه جنيه.. وحيطانه جامدة.. وكل مسمار فيه أنا اللي مصلحاه بإيدي
اليوم ده عملت كباية ينسون وفتحت دفتر حساباتي القديم
وأخدت قرار
بقالي سنين بعمل لابني ومراته العشا كل ويك إند.. وبدفع لهم التأمين الصحي بتاعهم عشان ابني على طول مزتوق شوية في السيولة.. وبدفع اشتراك النادي بتاعه.. وبدفع للجنايني بتاعه.. وبشيل مصاريف صغيرة كتير هو شايفها تافهة.. بس كلها كانت بتتاخد من فلوس معاشي
ابني عايزني مبقاش أتدخل في حياته؟
حاضر
هياخد اللي طلبه بالظبط
قررت أبعد عن حياته ست شهور
لا مكالمات.. ولا طبيخ.. ولا نصايح.. ولا فلوس.. ولا إنقاذ مالي
تاني يوم الصبح كلمت البنك ولغيت كل الدفع التلقائي اللي كنت عاملاه عشان أعيشه في مستوى هو مش قادر عليه لوحده
وبعدين دخلت الأوضة بتاعة ابني اللي سابها من خمستاشر سنة.. لسه فيها مجسمات الرسم بتاعته وكؤوس الرياضة وكتب الهندسة
بقالي سنين سايباها زي المتحف كأنه هيرجع البيت في أي لحظة
جبت كذا كرتونة
ولميت كل حاجة فيها
على الضهر الأوضة بقت فاضية تماما
وقفت أبص من الشباك الكبير.. شايفة شمس الصبح داخلة على الأرض الخشب.. وفكرت في حاجة مأجلاها طول عمري.. كان نفسي يبقى عندي ورشة صغيرة أصلح فيها موبيليا قديمة
ابتسمت
ولأول مرة حسيت ان المكان اللي ابني سابه.. ممكن أخيرا يبقى حاجة بتاعتي أنا لوحدي
وهو لسه مقتنع ان أمه مقموصة شوية وهتهدى.. كان فيه تلات دفعات تلقائية اتلغت خلاص.. وأوضة في بيتي أخيرا لقت هدف جديد
الست شهور اللي بعدها.. كانت أول ست شهور في حياتي أحس اني عايشة لنفسي.. مش لحد تاني
أول أسبوع.. ابني متصلش.. وأنا متصلتش.. كنت كل يوم الصبح أقوم.. أعمل قهوتي.. وأدخل الأوضة اللي فضيتها.. وبدأت أجيب عدة النجارة بتاعتي.. المنشار الصغير.. الصنفرة.. علب الدهان.. وبدأت ألم كراسي قديمة من سوق الجمعة.. كرسي خشب رجله مكسورة.. ترابيزة قشرتها مقشرة.. دولاب ضلفته واقعة.. وأقعد أصلح فيهم.. وأنا مشغلة الراديو القديم بتاعي
كنت حاسة ان إيدي الخشنة اللي ابني كان مكسوف منها.. هي نفسها الإيد اللي بترجع الحاجات الميتة للحياة تاني
بعد عشر أيام بالظبط.. تليفوني رن.. كانت مرات ابني
أول مرة تتصل بيا من غير ما ابني يقول لها
قالت إزيك يا طنط.. هو انتي كويسة؟.. أصل بقالك كتير مبتسأليش
قلت لها آه يا حبيبتي كويسة الحمد لله.. انتو عاملين ايه؟
قالت بارتباك احنا كويسين.. بس هو.. هو التأمين الصحي اتوقف.. وجالنا رسالة انه اتلغى.. فكنت بسأل لو تعرفي حاجة؟
ابتسمت وقلت لها آه.. أنا لغيته.. أصلي كنت بدفعه.. ولما ابني قالي خليكي ساكتة ومتتدخليش.. فقلت أوفر عليكم تدخلي.. هو قال انه مش عايز مساعدتي.. فاحترمت رغبته
سكتت شوية وقالت بس ده كان مهم أوي لينا.. واشتراك النادي كمان اتوقف.. والجنايني مجاش بقاله أسبوعين
قلت لها ما هو ده اللي أنا كنت بدفعه بردو.. كنت فاكرة انه حاجات صغيرة.. بس طلعت مهمة.. على العموم ابنك يقدر يدفعهم.. ما شاء الله بيته كبير وبيكسب كويس.. مش هيغلب يعني
قالت طب وموضوع العشا بتاع كل جمعة؟
قلت لها لا خلاص يا حبيبتي.. أنا بقيت مشغولة في الورشة بتاعتي.. بقيت بصلح موبيليا قديمة.. وببيعها.. ومبسوطة أوي
قفلت معاها.. وأنا عارفة انها هتروح تقول لجوزها
وفعلا.. بعدها بساعتين.. ابني