خليكي ساكته حصري لموقع لمحه

لمحة نيوز

بيت أمي
والتراس؟.. في الآخر أنا اللي صلحته.. مش بالمقاول الغالي.. بعلبة مادة عازلة ب 40 دولار.. وبإيدي الخشنة اللي هو كان مكسوف منها
بعد ما صلحت التراس ب 40 دولار والمادة العازلة.. ابني واقف مذهول وبيبص للسقف اللي كان بينقط ماية بقاله شهرين.. والمقاول اللي واخد 25 ألف دولار معرفش يصلحه.. وأنا بإيدي الخشنة وبعلبة صغيرة خلصته في ساعتين
مراته قالت معقولة؟.. كل ده كان محتاج 40 دولار بس؟
قلت لها آه يا بنتي.. أصل الصنعة مش بالفلوس.. الصنعة بالفهم.. وأنا بقالي 40 سنة ببيع المادة دي للناس وبقول لهم ازاي يستخدموها.. بس ابني كان فاكر ان الغالي هو الحلو
ابني كان واقف وساكت.. وبعدين قال يا ماما.. ممكن تعلميني؟
قلت له أعلمك ايه؟
قال تعلميني كل اللي انتي عارفاه.. تعلميني ازاي أصلح.. ازاي أدهن.. ازاي أنضف الفواصل.. ازاي أخلي الجنينة خضرا من غير جنايني غالي.. أنا مهندس على الورق بس.. إنما في الحقيقة معرفش أمسك مفك
قلت له عايز تتعلم بجد ولا بتقول كده عشان الفواتير؟
قال بجد.. عشان أنا تعبت.. تعبت من المنظرة الكدابة.. بيت كبير وفاضي.. وجنينة صفرا.. وتراس بيسرب.. وكل شوية أكلمك تشيليني.. أنا عايز أبقى زيك.. أبقى أعرف أعتمد على نفسي
من اليوم ده.. كل يوم سبت.. بقى ييجي بدري.. الساعة 7 الصبح.. لابس بنطلون قديم وتيشرت.. ويدخل الورشة.. وأنا أعلمه
أول حاجة علمتهاله ازاي يصنفر كرسي.. كان بيصنفر غلط.. وبيبوظ الخشب.. كنت أقول له براحة.. الصنفرة مش خناقة.. الصنفرة طبطبة على الخشب.. كأنك بتطبطب على حد بتحبه
كان يضحك ويقول أنا عمري ما طبطبت على خشب
علمته ازاي يخلط اللون.. ازاي يدهن وش أول ويسيبه ينشف وبعدين وش تاني.. علمته ازاي يغير جلدة حنفية.. ازاي يركب لمبة.. ازاي يسلك بلاعة.. حاجات هو كمهندس عمره ما اتعلمها.. عشان كان فاكر ان المهندس بيقول للناس تعمل ايه.. مش بيعمل بإيده
مراته بقت تيجي معاه.. وكانت الأول قرفانة من ريحة الدهان.. وبعدين بقت هي كمان بتحب.. بقت تقعد تصنفر معانا.. وتقول الله.. أنا أول مرة أحس اني عملت حاجة مفيدة بإيدي
بعد شهرين.. الورشة الصغيرة بقت مش ملاحقة شغل.. كنت بنزل صور الكراسي والترابيزات اللي بصلحها على جروب على النت.. والناس بقت تطلب.. واحدة عايزة دولاب قديم بتاع جدتها أصلحه.. واحد عايز ترابيزة سفرة مقشرة أرجعها جديدة.. وبقيت أكسب.. مش كتير.. بس فلوس حلوة.. فلوس من عرقي أنا.. مش من معاشي اللي كنت بديه لابني
وفي يوم.. حماه وحماته جم يزوروا ابني في بيته الكبير.. ولقوا الجنينة صفرا.. والتراس لسه فيه بقع ماية قديمة.. فحماه قال له ايه يا ابني.. انت مش عارف تحافظ على بيتك؟.. فين الجنايني؟.. فين الشركة اللي بتصلح؟
ابني قال له مفيش جنايني.. ومفيش شركة.. أنا اللي هصلح كل حاجة بإيدي.. زي ما أمي علمتني
حماه ضحك بسخرية وقال أمك؟.. بتاعة محل الحدايد؟.. هتعلمك انت.. المهندس؟
ابني ساعتها.. ولأول مرة في حياته.. رد على حماه.. قال له آه أمي بتاعة محل الحدايد.. اللي لولاها مكنتش هتعرف تقعد في بيتي ده وتتريق عليا.. أمي اللي علمتني ان الراجل مش بفلوسه.. الراجل بصنعته.. وباحترامه لأهله.. ولو سمحت.. متتكلمش على أمي كده تاني في بيتي.. حتى لو بيتي صغير وجنينته صفرا.. بس ده بيتي.. وهي أمي
حماته حاولت تهدي الجو وقالت يا ابني احنا بنهزر
قال لها لا.. ده مش هزار.. ده اللي أنا كنت بعمله زمان.. كنت بهزر على أمي.. وكنت فاكره هزار.. لحد ما خسرتها ست شهور.. ومش هخسرها تاني
مراته كانت واقفة وسمعت كل ده.. وبليل كلمتني في التليفون وكانت بتعيط.. قالت لي يا طنط.. أول مرة جوزي يدافع عنك.. وأول مرة يدافع عني أنا كمان.. أنا طول عمري كنت بسكت لما بابا يتريق عليا.. بس النهاردة لما شفته بيدافع عنك.. اتعلمت اني لازم أدافع عن نفسي كمان
قلت لها شاطرة يا بنتي.. الست اللي متعرفش تدافع عن نفسها.. محدش هيدافع عنها
بعد 6 شهور بالظبط من يوم ما قمت وسبت العشا ومشيت.. ابني عمل عزومة تانية.. بس المرة دي مش في بيته الكبير.. عملها في بيتي أنا الصغير.. في الورشة
عزمني أنا ومراته وحماه وحماته.. وقال لهم العزومة النهاردة في بيت أمي.. واللي مش عاجبه مايجيش
جم كلهم.. ودخلوا بيتي الصغير.. اللي ريحته خشب ودهان.. واللي مفيهوش رخام ولا كريستال.. بس فيه كراسي أنا مصلحاها بإيدي.. وترابيزة أنا دهناها.. وصور قديمة ليا وأنا واقفة في المحل
حماه أول ما دخل.. بص حواليه باستغراب.. وقال ايه ده؟.. انتو عايشين هنا؟
ابني قال له آه.. هنا.. هنا أمي بنت بيتها طوبة طوبة.. من غير قرض ولا ضامن.. بيت صغير بس خالص.. مش عليه جنيه لحد.. مش زي بيتي الكبير اللي كنت بدفع أقساطه بفلوس أمي
وقعدنا ناكل.. وأنا اللي طابخة.. رز وملوخية وفراخ.. أكل بسيط.. بس الكل كان بياكل وهو مبسوط.. عشان أول مرة من زمان ناكل من غير منظرة
وفي نص الأكل.. ابني قام وقف.. وقال يا جماعة.. أنا عايز أقول حاجة.. من ست شهور.. أنا قلت لأمي كلمة وحشة.. قلت لها خليكي ساكتة.. قدامكم كلكم.. وهي سكتت فعلا.. ومشيت.. وسابتني ست شهور.. وفي الست شهور دي.. أنا اتعلمت ان سكوتها كان
أغلى من كلامي كله.. اتعلمت انها كانت بتدفع لي كل حاجة.. مش عشان أنا محتاج.. عشان هي بتحبني.. وأنا كنت باخد الحب ده كأنه حق مكتسب.. النهاردة أنا عايز أقولها قدامكم كلكم.. اتكلمي يا ماما.. اتكلمي زي ما انتي عايزة.. قولي رأيك.. حتى لو رأيك اني غبي.. قوليه.. عشان رأيك هو اللي بناني
أنا مقدرتش أمسك دموعي.. وقمت حضنته.. وقلت له أنا مش عايزة أتكلم كتير.. أنا عايزة أقولك حاجة واحدة بس.. إيدي الخشنة دي.. هتفضل طول عمرها ممدودة لك.. بس المرة دي مش عشان تدفع لك.. عشان تعلمك.. ولو اتعلمت.. هتبقى أغنى من أي حد.. حتى لو جيبك فاضي
حماه وحماته كانوا قاعدين وساكتين.. وبعدين حماه قام وقال عندك حق يا بنتي.. أنا طول عمري بتكلم كأني بفهم في كل حاجة.. بس أنا معرفش أصلح حنفية بتنقط.. ولا أعرف أدهن حيطة.. أنا بس بعرف أتكلم.. وانتي بتعرفي تعملي
ومن يومها.. حماه بقى ييجي الورشة عندي.. يجيب لي كرسي قديم ويقول لي صلحيهولي يا ست الكل.. وخليني أقعد جنبك أتعلم
والمحل بتاعي؟.. قصدي الورشة بتاعتي؟.. بقت كبيرة.. بقيت مشغلة 3 ستات معايا.. كلهم ستات كبيرة في السن.. واحدة أرملة.. وواحدة مطلقة.. وواحدة جوزها تعبان.. وبنصلح موبيليا قديمة وبنبيعها.. وبنكسب.. وبنضحك.. وبنشرب شاي.. وبنقول لبعض.. اللي يقول لكم خليكم ساكتين.. قولوا له احنا اللي هنعلمكم تتكلموا ازاي
وابني؟.. ابني باع بيته الكبير.. اللي كان في الكومباوند.. وبنى بيت أصغر.. بس صلحه كله بإيده.. هو ومراته.. والتراس بتاعه؟.. مبقاش يسرب خلاص

تم نسخ الرابط