أنا نور.. ودي مش حكاية عادية، دي حكاية واحدة اتولدت مرتين مرة باسم الرحمة، ومرة باسم الانتقام. أنا وليلى كنا شبه بعض لدرجة إن أمنا نفسها كانت بتتلخبط بينا، بس الفرق الحقيقي كان جوه هي قلبها أبيض بيسامح، وأنا قلبي اتعلم يعيش على الحافة، مايعرفش يسيب حقه. يوم ما خرجت من بوابة المستشفى، كنت عارفة إن اللي جاي مش حياة دي حرب. ركبت الميكروباص بإيدي المرتعشة، مش من خوف من شوق للحظة اللي هشوف فيها الراجل اللي كسر أختي، وبدأت أراجع كل تفصيلة حكتها ليلى الباب اللي بيصرخ لما يتفتح، السلم اللي فيه لمبة مكسورة، ريحة الأكل اللي دايمًا محروق، صوت حماتها وهي بتزعق، ونبرة باسم وهو بيهدد. وصلت العمارة، وقفت تحتها ثانية واحدة بس وخدت نفس عميق، وبعدين طلعت. كل درجة سلم كنت بطلعها كنت بحس إن نور القديمة بتموت، ونور التانية بتتولد نور اللي مابتخافش. خبطت على الباب ثواني واتفتح، ووشه ظهر قدامي نفس النظرة اللي ليلى وصفتها، نظرة احتقار وامتلاك. بصلي وقال ببرود اتأخرتي ليه يا زفتة؟ وطبعًا كان متوقع رد ضعيف بس أنا واطية عيني زي ليلى،
وقلت بصوت مهزوز كنت عند أمي. سابني ودخل وهو بيشتم، وأنا دخلت وراه وبدأت أراقب. البيت كان سجن حرفيًا. كل حاجة فيه بتقول خوف. لحد ما سمعت صوت بكاء خفيف جاي من الأوضة دخلت لقيت صوفيا قاعدة في الركن، ماسكة لعبتها ومغمضة عينيها كأنها بتحاول تختفي. قلبي اتقطع قربت منها بهدوء، أول ما شافتني جريت حضنت رجلي وقالت ماما متزعليش بابا تاني عشان مايضربكيش. في اللحظة دي، أنا ماعدتش بامثل أنا بجد كنت هنهار. شيلتها وحضنتها، وبوست راسها وقلت في سري حقك عليا يا صغيرة بس الليلة دي كل حاجة هتتغير. خرجت لقيت حماته قاعدة، بصتلي وقالت بسخرية رجعتي يا هانم؟ ولا كنتي بتشتكي علينا زي كل مرة؟ ابتسمت ابتسامة خفيفة أول مرة حد يشوفها من ليلى، وقلت لا المرة دي جيت أخلص حساب. ضحكت وقالت إيه؟ هتعملي إيه؟ هنا بس رفعت عيني وبصتلها نفس النظرة اللي كانت بتخلي الدكاترة في المستشفى يقفلوا الباب عليا بالمفتاح وسكتت. الليل نزل وباسم بدأ يشرب، وصوته يعلى زي ما ليلى قالت. فجأة قام شدني من دراعي وقال انتي فاكرة نفسك مين؟! اللحظة دي هي اللي كنت مستنياها.
مسكته بس مش زي ليلى، مش بس استحملت لفّيت إيده بحركة سريعة، وضغطت على مفصلها لحد ما صرخ صرخة عمره ما طلعها. وقع على ركبته وهو مش فاهم إيه اللي بيحصل. قربت من ودنه وقلت بهدوء أنا مش ليلى. قبل ما يستوعب، كنت مثبتاه على الأرض كل حركة محسوبة، كل ضربة مش للانتقام دي رسالة. حماته جريت تصرخ، أختُه طلعت من الأوضة، الاتنين اتجمدوا لما شافوا المشهد الراجل اللي كانوا بيستخبوا وراه واقع، ضعيف، وبيصرخ. سبت إيده بعد ما حسيت إنها خلاص ماعدتش تقدر تتحرك وقفت وبصيت لهم أي حد فيكم يقرب للبنت دي أو لأختي تاني هيبقى ده أهون حاجة هتحصل له. خدّت صوفيا من الأوضة، وهي كانت باصة لي بعيون مليانة دهشة مش فاهمة إزاي ماما بقت قوية كده. خرجت من البيت وأنا شايلها وما بصتش ورايا. اليوم اللي بعده، ليلى خرجت من المستشفى رجعت للحياة، بس مش لنفس البيت. خدنا شقة صغيرة، وبدأنا من جديد وأنا فضلت معاهم، مش كضيفة كحارس. باسم حاول يهدد، حاول يشتكي بس لما شاف نفسه في المراية كل يوم بإيده اللي عمرها ما رجعت زي الأول سكت. العدالة مش دايمًا بتيجي من محكمة
أحيانًا بتيجي من حد قرر يقف في وش الظلم. وأنا نور ماجتش أنقذ أختي بس أنا جيت أعلّم كل واحد فاكر إن الضعف حق مكتسب إن في يوم، القوة هتخبط بابه ومش هتستأذن.
مرت أيام قليلة بعد اللي حصل بس الهدوء اللي دخل حياتنا كان غريب، كأنه هدوء ما بعد العاصفة، مش سلام حقيقي. ليلى كانت بتحاول تتنفس من جديد، بس كل حركة منها كان فيها خوف متخزن سنين حتى وهي بتضحك مع صوفيا، عينيها كانت بتلف حوالين نفسها كأنها مستنية حد يهجم في أي لحظة. وأنا؟ أنا كنت عارفة إن الحكاية مخلصتش لأن النوع ده من الرجالة ما بيسيبش بسهولة، خصوصًا لما يحس إن هيبته اتكسرت.
في ليلة، وأنا قاعدة في الصالة الصغيرة اللي استأجرناها، لمحت ظل واقف تحت العمارة نفس الوقفة، نفس الشكل. ماخدتش وقت أفكر، قفلت النور ووقفت ورا الستارة أراقب. كان باسم. واقف مستني مش بيخبط، مش بيطلع بس عينه على الشقة. ابتسمت ابتسامة باردة، وقلت لنفسي بدأنا.
تاني يوم، صحّيت بدري ونزلت لوحدي، سيبت ليلى مع صوفيا. مشيت لحد ما وصلت للقهوة اللي بيقعد عليها دايمًا قعدت على ترابيزة بعيدة، وفضلت أراقبه.