أنا يحيى، عندي 28 سنة، ولو حد قالي من 3 سنين إني هقف في يوم من الأيام في المكان ده والناس كلها تبصلي بالرهبة دي، كنت هضحك وأقول له إنت بتحلم… لأن الحقيقة وقتها كانت أقسى بكتير من أي حلم. كنت شاب عادي جدًا، عندي فكرة صغيرة وشغف أكبر من إمكانياتي، بحاول أبدأ شركة من الصفر، وبجري ورا أي فرصة أقدر أمسك فيها طرف الخيط، لكن كل حاجة كانت ضدي: الفلوس قليلة، العلاقات معدومة، والضغط النفسي فوق ما أي حد يستحمل. ومع كل ده، كنت فاكر إن على الأقل عندي حد واقف جنبي… كارما. البنت اللي حبيتها بجد، واللي كنت فاكر إنها شايفاني زي ما أنا شايف نفسي: مشروع إنسان هيكبر، مش مجرد شاب فقير حاليًا. لكن في يوم، وهي قاعدة قدامي، قالتلي جملة عمري ما هنساها: "أنا تعبت من الفقر يا يحيى… أحلامك دي مش هتأكلنا عيش… أنا عايزة أعيش." وبعدها سابتني ومشيت، وركبت عربية طارق، الراجل اللي كان عنده كل حاجة أنا معنديش منها ولا حاجة: فلوس، نفوذ، اسم عيلة. اليوم ده كسرني، بس في نفس الوقت… بناني. الألم اللي حسيت بيه ساعتها اتحول لوقود، بقيت بصحى وأنام وأنا عندي هدف واحد: أثبت لنفسي قبل أي حد إني أقدر، مش عشان أنتقم، لكن عشان أعيش الحياة اللي أنا شايفها جوايا. اشتغلت بجنون، غلطت واتعلمت، خسرت وكسبت، وفي خلال 3 سنين بس، شركتي الصغيرة بقت مجموعة استثمارية ضخمة اسمها "أبيكس"
، دخلت في مجالات كتير، واشتريت شركات ومطاعم وفنادق، وبقيت واحد من أصغر الناس اللي وصلوا للرقم ده. ومع كل ده، فضلت محافظ على عادة غريبة: أنزل بنفسي، متخفي، ألبس لبس بسيط، أشتغل كأني واحد من العمال، عشان أشوف الدنيا على حقيقتها… أشوف الناس بتعامل بعض إزاي لما محدش شايفهم. الليلة دي كانت واحدة من الليالي دي. كنت لسه شاري مطعم فرنسي فخم جدًا في التجمع، اسمه "لوميير"، وقررت أنزل أشوفه بعيني. لبست يونيفورم دليفري، وخدت خوذة، ودخلت المكان كأني واحد جاي يسلم أوردر. المكان كان فاخر بشكل مبالغ فيه، الإضاءة هادية، والمزيكا راقية، وكل حاجة بتقول إن اللي هنا من طبقة معينة. وأنا ماشي، سمعت صوت مألوف… صوت عمري ما نسيته. "يا نهار مش فايت! شوفوا مين هنا يا طارق!" لفيت، ولقيت كارما. نفس الملامح، بس بلمعة زيادة… لمعة الفلوس. قامت وقربت مني، وبصتلي من فوق لتحت بنظرة فيها كل معاني الاستعلاء، وقالت بسخرية: "يحيى؟! أنت بقيت بتاع دليفري؟! الحمد لله إني سيبتك بدري… شكلك كده مناسب لك جدًا." وقبل ما أرد، جه طارق وقف جنبها، باين عليه الثقة اللي جاية من فلوس مش تعبه فيها، وقال: "ده كان مشروعك يا كارما؟ بصراحة اختيارك اتحسن كتير… تاخد حاجة من الأكل اللي فاض؟ ولا مرتبك ميكفيش؟" كنت سامع كل كلمة، وكل كلمة كانت بتخبط في مكان قديم جوايا، بس الغريب إني مكنتش موجوع…
كنت هادي بشكل مخيف. قلت بهدوء: "أنا هنا عشان شغل." ضحك وقال بصوت عالي يخلي كل اللي في المكان يبص: "شغل إيه؟ أنت جاي تسلم أوردر… يا مدير! يا جماعة! إزاي تسمحوا لحد بالشكل ده يدخل هنا؟ اطلع بره فورًا!" كارما زودت: "أيوة، ارموه برا… المكان ده مش لأي حد." في اللحظة دي، المدير العام للمجموعة خرج من المكتب، وشاف الموقف كله. المكان سكت فجأة، والكل مستني يشوف هيحصل إيه. المدير بصلي، ومشي ناحيتي بخطوات ثابتة، ولما وصل… حصل اللي محدش كان متوقعه. انحنى قدامي باحترام واضح، وقال بصوت مسموع: "أهلًا بيك يا فندم… كنا مستنيينك." وطلع ملف، ومفتاح رمزي، وسلمهم لي قدام الكل. الصمت بقى تقيل لدرجة إنك ممكن تسمع دقات القلوب. وش كارما اتجمد، وطارق بقى لونه متغير، مش فاهمين. المدير كمل: "دي أوراق نقل الملكية، والمطعم رسميًا تحت إدارتك من النهارده." رفعت عيني وبصيت لكارما، نفس البنت اللي كانت شايفاني ولا حاجة، دلوقتي واقفة مش قادرة تنطق. قلت بهدوء: "تعرفي؟ عندك حق… الأحلام لوحدها مبتأكلش عيش… بس اللي يتمسك بيها لحد الآخر، ممكن يملك المخبز كله." طارق حاول يتكلم: "استنى… أنت بتقول إيه؟" بصيت له وقلت: "أنا يحيى… رئيس مجلس إدارة أبيكس… والشركة اللي شغالة فيها دي… واحدة من شركاتي." الصدمة كانت واضحة عليه، بدأ يتلعثم، وكارما فجأة غيرت نبرتها: "يحيى… أنا… أنا
مكنتش أقصد…" قاطعتها بهدوء: "أقصدِ إيه؟ إنك حكمتي عليّ وأنا لسه في أول الطريق؟ ولا إنك اخترتي الطريق السهل؟ ده اختيارك… وأنا احترمته وقتها." سكتت شوية، وبعدين كملت: "بس فيه حاجة واحدة بس… الكرامة مش حاجة بتتأجر… ولا بتترجع لما الظروف تتغير." المدير كان واقف مستني إشارتي، فقلت له: "اتأكد إن كل الضيوف هنا بيتعاملوا بأعلى مستوى من الاحترام… أياً كان شكلهم أو لبسهم." وبصيت لطارق وقلت: "أما بالنسبة لك… ياريت تراجع أسلوبك مع الناس… لأن في الشغل عندي، اللي بيهين غيره… مكانه مش هنا." بعدها سبتهم ولفيت أمشي، والناس كلها بتبص، بس المرة دي النظرات كانت مختلفة تمامًا. وأنا خارج، حسيت بحاجة غريبة… مش انتصار عليهم، لكن سلام جوايا. كأن الدائرة اتقفلت أخيرًا. كارما نادت عليّ بصوت مهزوز: "يحيى… ممكن نتكلم؟" وقفت لحظة، من غير ما ألف، وقلت: "فيه ناس بتكون جزء من البداية… بس مش لازم تكون موجودة في النهاية." وكملت طريقي. الليلة دي علمتني إن أقوى رد مش بيكون بالانتقام… لكن بالوصول، وإن اللي بيضحك عليك في وقت ضعفك، مش لازم تثبت له قوتك… كفاية إنك تعرفها لنفسك. ومن يومها، بقيت أنزل أكتر من الأول، بنفس اللبس البسيط، ونفس الهدف: أتأكد إن محدش يتحط في الموقف اللي اتحطيت فيه… لأن الكرامة، هي الحاجة الوحيدة اللي لو ضاعت… مهما كسبت بعدها، عمرك ما هتعوضها.