في اللحظة اللي رضوان وقع فيها على الأرض وعيونه مليانة دموع، حسيت لأول مرة إن الراجل اللي قدامي مش هو نفس الشخص الحديد اللي عشته معاه 35 سنة، كان فيه حاجة مكسورة جواه بقالها عمر كامل ومش قادر يخبّيها أكتر، فضل ساكت شوية وبعدين خد نفس طويل كأنه بيستجمع روحه كلها وقال بصوت مبحوح أنا عمري ما خنتك ولا جبت سيرتك وحشة ولا قصّرت في حقك ولا حق العيال، بس في حاجة لو كنتي عرفتيها من زمان كنتي هتعيشي عمرك كله في خوف ووجع عليا وقعد على الكرسي كأنه انهار تمامًا، وأنا قلبي كان بيدق بطريقة مش طبيعية ومش فاهمة أنا داخلة على إيه، ساعتها قال فاكرة الحادثة اللي حصلت في المصنع سنة 1983 لما الماكينة انفجرت؟ هزّيت راسي وأنا فاكرة اليوم ده لأنهم قالوا إنه كان يوم أسود واتصاب فيه عمال كتير، قال أنا مكنتش من اللي ماتوا، بس كنت من اللي اتسحقت حياتهم جوه الحادثة، أنا جسمي اتبهدل يومها يا إجلال، اتقطعت أجزاء جوايا والدكاترة عملوا اللي عليهم ورجعوني أعيش بالعافية، بس رجعوني بنص جسم مش طبيعي، رجعوني وأنا شايل حاجة في جسمي لازم أتعامل معاها كل يوم عشان أقدر أكمل حسيت
بقشعريرة وقلبي بدأ يوجعني وهو بيكمل قالوا لازم أعمل تغيير وتنضيف يومي في مكان نظيف ومعزول، ولو اتكشفت الحالة ممكن أموت في أي لحظة من التهاب أو تسمم، ووقتها خفت عليكي وعلي العيال، خفت الناس تعرف إن جوزك عامل عملية كبيرة ومش طبيعي، خفت يبصولك نظرة شفقة أو يخلوكم تعيشوا في قلق، فاخترت الحمام الساعة أربعة الفجر لأنه الوقت الوحيد اللي البيت كله نايم وفيه هدوء، كنت بقفل على نفسي الباب عشان أغير الضمادات وأنضف الجرح الكبير اللي في بطني اللي محدش غيري يقدر يشوفه ساعتها دموعي بدأت تنزل من غير ما أحس وهو كمل عشت عمري كله مستحمل الألم لوحدي، كل يوم نفس المعاناة، كل يوم نفس الخوف، ولو كنتي قربتي مني مرة وانا مش جاهز كنتي هتشمّي ريحة تعفن أو تشوفي حاجة عمرك ما تتحمليها، فكنت بقفل الباب مش عشان أخبي ولا سر وحش، لكن عشان أحميكي من الحقيقة سكت شوية وبعدين قال بصوت أضعف حتى موضوع إني ما بلبسش نص كم، ده عشان في آثار الحروق والعمليات اللي في إيدي وصدري، كنت بخاف نظرة الناس وبخاف أكتر نظرتك إنتي ليا، كنت عايز أفضل في نظرك نفس رضوان اللي اتجوزتيه مش راجل
مكسور حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجليا، كل المواقف اللي عشتها معاه فجأة بقت ليها معنى تاني، تخشبه لما ألمسه، عصبيته لما أقرب من الحمام، خوفه لما أسأله، كل ده مكنش ولا سر، كان وجع متخبي، وهو بيكمل قال الساعة أربعة الفجر كانت ميعاد الدوا والتنضيف وتغيير الجهاز اللي عايش بيه، ولو فوت يوم واحد كنت ممكن أموت، عشت 35 سنة كل يوم على الحافة، وكل يوم أصحى قبل ما الدنيا تصحى عشان أضمن إني عايش ليكي يوم كمان ساعتها حسيت إني مش قادرة أقف، قعدت قدامه ودموعي مش راضية تقف وقلت له ليه يا رضوان؟ ليه تعيشني كل السنين دي في حيرة وخوف؟ بص لي بعين فيها وجع سنين وقال كنت فاكر إن كده أحسن، كنت فاكر إن الصمت أحن من الحقيقة، كنت فاكر إني لو قلت هتخسري الراجل اللي بتحبيه وهتعيشي معاه بشفقة بدل حب، فاخترت أكون في نظرك طبيعي حتى لو أنا بتعذب كل يوم لوحدي في اللحظة دي حسيت إني كنت عايشة معاه وبجانبه وفي نفس الوقت بعيدة عنه عمر كامل من غير ما أعرف حجم الحرب اللي جواه، قمت قربت منه للمرة الأولى من غير خوف وحضنته رغم كل حاجة، حضنته وهو جسمه اللي كان دايمًا متخشب لأول مرة
ما قاومش، لأول مرة حسيت إنه ارتاح في حضني، وبعدها خدني على الحمام نفسه اللي كنت فاكرة إنه سر مرعب، وفتح باب صغير ووراني كل الأجهزة البسيطة اللي كان مخبيها، زجاجات مطهر، شاش طبي، أدوية، وجهاز صغير بيستخدمه كل يوم عشان ينضف جسمه ويعيش، وساعتها فهمت إن البيت اللي عشنا فيه 35 سنة مكنش فيه واحدة، كان فيه راجل بيحارب عشان يعيش بس من غير ما يوجع اللي بيحبهم، ومن اليوم ده الساعة أربعة الفجر ما بقيتش ساعة خوف، بقت ساعة معرفة، ساعة كنت بقعد فيها جنبه وهو بيتألم وأنا ماسكة إيده بدل ما أعيش عمري كله واقفة ورا الباب مش فاهمة إيه اللي بيحصل جواه، وفضلنا نكمل حياتنا لحد آخر يوم وهو عارف إني أخيرًا شُفت حقيقته كلها ومش بس الحكاية اللي كان عايز يخليني أشوفها، لكن الإنسان نفسه اللي كان بيحارب في صمت طول عمره.
بعد ما الحقيقة ظهرت ورضوان افتكر إنه أخيرًا ارتاح، كنت فاكرة إن كل حاجة هتتغير وهيرجع البيت كأنه اتولد من جديد، لكن اللي حصل كان أعمق وأغرب من مجرد كشف سر قديم، لأن الهدوء اللي جه بعد الاعتراف ماكانش راحة كاملة، كان شبه سكون قبل عاصفة جاية من بعيد،