عادة غريبة يفعلها زوجي كل فجر ل الهواري

لمحة نيوز

ولا نفس مكسور جاي من ورا باب الحمام، كنت بقعد في نفس المكان اللي كان بيقعد فيه، وببص قدامي كأني مستنية حد يرجع من عمر تاني، لحد ما بقى الصمت نفسه صوت، وصوته أعلى من أي كلام، وبعد الجنازة بيومين المحامي جه تاني وقال إن القضية اللي بدأناها مع العمال القدامى أخدت مسار أكبر بكتير من المتوقع، وإن في اعترافات طلعت، ووثائق اتفتحت، وإن اسم رضوان بقى في أوراق رسمية كتير باعتباره واحد من الشهود الأساسيين على كارثة المصنع اللي كانت متقفلة سنين، بس الغريب إن مع كل ده، مكنش في أي حاجة تفرحني، حتى كلمة تعويض أو حق كانت بتيجي على قلبي تقيلة، كأني متأخرة في حاجة عمرها ما هتعوض اللي راح، ومع الوقت بدأت أكتشف حاجات رضوان ماقالهاش، حاجات عرفتها من واحد من زمايله القدامى اللي جه يعزيني، قالي إن رضوان بعد الحادثة مكنش بس بيتعالج جسديًا، ده كان بيحاول يعيش وهو شايل ذنب مش ذنبه، لأنه شاف اللي حصل للناس ومقدرش يمنعه، وإنه طول عمره كان بيروح الحمام مش بس علشان العلاج، لكن علشان يعيط من غير ما حد يشوفه، كان بيختار الساعة أربعة الفجر لأنه الوقت الوحيد اللي فيه العالم
ساكت، وهو الوحيد اللي مسموح له ينهار، الجملة دي كسرت حاجة جوايا كنت فاكرة إنها خلاص ماتت من يوم وفاته، وبدأت أفهم إن الست اللي عاشت معاه 35 سنة كانت شايفة جزء واحد بس من جبل جليد كبير، ومع كل يوم بيمر، كنت بروح الحمام نفسه، أقعد جنبه، مش بخوف، لكن كنوع من الوفاء الغريب، كأني بحاول أكمل معه طقس ما اتكملش، لحد ما في يوم، وأنا قاعدة، لقيت نفسي بفتح درج صغير كان دايمًا بيقفله، وده أول مرة ألمسه بإيدي بعده، لقيت جواه كشكول قديم متغلف في كيس بلاستيك، ولما فتحته لقيت كتابات بإيده، مش مذكرات مرتبة، لكن شخبطة إنسان بيحاول يفضل عايش بالكلام، كان كاتب عن كل يوم ألم، عن كل مرة قام فيها الساعة أربعة وهو بيتمنى لو يقدر ينام نوم طبيعي زي أي حد، عن خوفه إنه يموت وهو السبب إن حد مننا ينهار، وكان كاتب جملة واحدة متكررة في أكتر من صفحة لو عرفوا الحقيقة هيتعبوا، فخليني أنا اللي أتوجع بدلهم، يومها قعدت أعيط لأول مرة من غير صوت، عياط ساكت زي اللي كان بيعيشه، وبعدها بفترة، القضية خلصت فعلاً، والعمال خدوا حقوقهم، واسم رضوان اتكتب في ملف رسمي كشاهد مهم، لكن في قلبي
هو ماكنش شاهد، كان إنسان عاش عمره كله بيحاول يحمي صورة الحب اللي بيننا حتى لو على حساب نفسه، ومع السنين اللي بعد كده، البيت ما بقاش بيت خوف ولا سر، بقى بيت ذاكرة، كل ركن فيه فيه حكاية، وكل صمت فيه فيه صوته، لحد ما في مرة من المرات، حفيده الصغير جه يقعد معايا وسألني ليه بابا زمان كان بيصحى بدري قوي كده يا تيتة؟ وساعتها ابتسمت لأول مرة ابتسامة مش مكسورة، وقلت له كان بيصحى بدري عشان يتأكد إن الدنيا لسه بخير قبل ما تصحى، وكان بيحاول يطمننا من غير ما يقول، ولما سألني هو كان تعبان؟ سكت شوية وبعدين قلت كان شايل أكتر من طاقته، بس عمره ما خلّى حد يشيل معاه، وفي الليلة دي، الساعة أربعة الفجر، صحيت زي عادتي، بس المرة دي ماقمتش بخوف ولا انتظار، قمت وفتحت الشباك، وسيبت الهوا يدخل، وحسيت لأول مرة إن الساعة دي مش ساعة سر ولا وجع، لكنها ساعة رضا، الساعة اللي راجل بسيط اسمه رضوان كان بيحاول فيها يعيش يوم زيادة عشان الناس اللي بيحبهم، ومن يومها، كل ما الفجر ييجي، ببقى عارفة إن في حب بيعيش حتى بعد ما صاحبه يمشي، وإن في وجع ممكن يفضل صامت، لكنه يسيب وراه معنى،
وإن رضوان ماكانش مجرد جوز عاش معايا، ده كان حكاية كاملة عن راجل اختار الصمت عشان يحمي بيت، واختار التعب عشان ما يوجعش غيره، واختار يمشي وهو سايب في قلبي درس عمري ما هنساه، إن مش كل الأسرار لازم تتفتح عشان نفهم، أحيانًا كفاية نعرف إن اللي قدامنا كان بيحبنا لدرجة إنه اتألم بدلنا، وساعتها بس، الساعة أربعة الفجر بقت مش نهاية حكاية، لكن بداية فهم متأخر جدًا، لكنه حقيقي لآخر العمر.
وفي النهاية فهمت إن رضوان ماكانش بيخبي عني حياة تانية، ولا كان عايش سر غامض زي ما كنت فاكرة طول عمري كان بيحاول بكل ما فيه إنه يخلّي حياتنا تكمل من غير ما أنا أشوف الثمن الحقيقي اللي هو بيدفعه كل يوم.
الحقيقة كانت أبسط وأقسى في نفس الوقت راجل اتكسر في حادثة قديمة، وكمل عمره بعدها وهو بيقاوم الألم والمرض والضعف، بس قرر يخبي كل ده عشان مايحسسناش إن البيت اللي بنينا فيه عمرنا كله كان فوق تعب أو شفقة.
الساعة أربعة الفجر ماكانتش علامة خوف ولا لغز مرعب كانت ميعاده الوحيد مع وجعه، مع علاجه، مع لحظته اللي بيواجه فيها نفسه لوحده من غير ما ينهار قدام حد.
ولما اختفى، ما سابش وراه
تم نسخ الرابط