وبدأت ألاحظ إن رضوان رغم إنه بقى أكتر صراحة معايا، إلا إنه كان بيضعف يوم ورا يوم بشكل ماكنتش عايزة أصدقه، كان كل صباح يقوم زي عادته القديمة، بس المرة دي من غير نفس القوة، من غير نفس السيطرة اللي كان بيخبي وراها سنين الوجع، وكان كل ما أقرّب منه ألاقي في عينه حاجة جديدة، حاجة شبه الاستسلام البطيء، وفي ليلة من الليالي، وهو خارج من الحمام بعد الروتين اللي كنت فاكرة إني فهمته، وقع على الأرض فجأة، بس المرة دي ماقامش بسرعة زي كل مرة، فضل ساكت شوية وبعدين قال بصوت واطي حاسس إني تعبت أكتر من اللازم ساعتها قلبي اتقبض، وطلبت له دكتور، واللي حصل بعد الكشف كان صدمة جديدة، الدكتور قالي إن الحالة اللي عاش بيها كل السنين دي ماكنتش مستقرة زي ما هو فاكر، وإن جسمه كان بيقاوم لسنين طويلة بشكل معجزة، لكن المقاومة دي قربت تخلص، وإنه محتاج تدخل طبي عاجل كان لازم يتعمل من سنين، بس التأخير خلا الوضع أصعب، يومها رضوان ماكانش زعلان، كان هادي بشكل يخوف، كأنه كان مستني الخبر ده من زمان، وبعد ما الدكتور مشي، بصلي وقال أنا عشت زيادة عن اللي كنت متوقعه، وكنت كل يوم بعتبره هدية الجملة دي كسرتي
أكتر من أي حاجة سمعتها في حياتي، وبدأنا مرحلة جديدة اسمها المستشفى، بدل الحمام الساعة أربعة الفجر بقى في ممرات بيضا وروائح مطهر وأجهزة صوتها ما بيسكتش، وهناك عرفت إن رضوان كان عنده ملف طبي ضخم عمره ما حكالي عنه بالتفصيل، عمليات، مضاعفات، ومحاولات نجاة متكررة، وكل مرة كان بيخرج منها عشان يرجع يشتغل ويكمل حياته معانا كأن مفيش حاجة، وبدأت أفهم إن الراجل اللي كنت فاكرة إني عايشاه 35 سنة، كان في الحقيقة بيعيش حياة تانية موازية، حياة كلها ألم وسكات وابتسامة قدامنا عشان ما ننهارش، لكن الغريب إن في وسط كل ده، كان في حاجة جديدة بدأت تظهر في المستشفى، حاجة ماكنتش موجودة قبل كده في البيت، كان بيكلم ناس من أيام الحادثة القديمة، زمايله اللي نجوا، وبدأوا يحكوا تفاصيل أنا أول مرة أسمعها، إن المصنع وقتها ماكانش حادثة عادية، كان فيه إهمال كبير ومحاولات إخفاء الحقيقة، وإن اللي حصل لهم كان أكبر من مجرد انفجار، كان فيه مواد خطرة اتسربت واتسببت في تدمير بطيء لأجسامهم، وإن كل واحد نجا كان بيعيش بطريقته، وبعضهم اختفى وبعضهم مات بعد سنين، وساعتها بدأت الصورة تكبر في دماغي، وإن رضوان
ماكانش مجرد راجل مكسور، ده كان شاهد على كارثة اتدفنت تحت تراب الزمن، وبعد أيام في المستشفى، جه محامي قديم كان بيشتغل مع العمال، وقال لنا إن فيه قضية قديمة بدأت تتحرك تاني، وإن الحكومة عايزة تفتح الملف من جديد عشان تعويضات وتأمينات اتقفلت ظلم، ورضوان رفض في الأول، قال أنا مش عايز حاجة، أنا عايز أعيش الباقي من عمري في هدوء لكن أنا المرة دي اللي ضغطت عليه، مش عشان الفلوس، لكن عشان الحق، عشان السنين اللي ضاعت منه وهو بيختبئ، وفعلاً بدأنا نرجع في القصة من أولها، ورحنا نواجه ناس عمرهم ما تخيلوا إن واحد زي رضوان لسه عايش وبيتكلم، ومع كل خطوة في القضية، كان بيبان قد إيه هو كان شايل فوق طاقته، لحد ما في يوم من الأيام، وهو في المستشفى، طلب مني أقعد جنبه وقال لي بصوت ضعيف جدًا أنا مبسوط إنك عرفتِ الحقيقة قبل ما أمشي، كنت خايف أموت وإنتي فاكرة عني حاجة مش حقيقية ودموعه كانت بتنزل بهدوء، ومن غير صراع المرة دي، وفضل ماسك إيدي وقال الساعة أربعة الفجر دي مش هتفضل رمز وجع، خليها تبقى وقت تفتكريني فيه وأنا مرتاح وبعدها بأيام قليلة، رضوان فعلاً بدأ يضعف بشكل سريع، وكل يوم كان بيبقى
أقل من اليوم اللي قبله، لحد الليلة الأخيرة، طلب يرجع البيت، ورجعناه فعلاً لنفس البيت الطوب الأحمر في شبرا، وقعد في أوضته وقال إنه مش عايز غير هدوء المكان اللي عاش فيه عمره كله، وفي الفجر، الساعة أربعة بالضبط، فتح عينه بصعوبة وبصلي آخر نظرة وقال أنا كنت دايمًا بحميكم حتى من الحقيقة وبعدها سكت للأبد، ومن اليوم ده، الساعة أربعة الفجر ما بقيتش ساعة خوف ولا سر، بقت ساعة سكون مختلف، كل ما بييجي وقتها بقعد مكانه اللي كان بيقعد فيه، وبحس إن البيت كله لسه فيه أثره، مش كسر، لكن حكاية راجل عاش عمره كله بين وجع وسكات وحب ماعرفش يبان غير متأخر، ولحد النهاردة، كل ما الفجر يقرب، ببقى فاكرة إن في أسرار مش لازم دايمًا تتفهم بسرعة، وفي قلوب بتختار تتعذب لوحدها عشان تحمي اللي بتحبهم لحد آخر نفس.
بعد ما رضوان مشي، حسيت إن البيت اللي كان مليان صوت خطواته وسكاته بقى واسع زيادة عن اللزوم، كأن الحيطان نفسها فقدت سندها، وكل حاجة في شبرا رجعت هادية بشكل يوجع مش يطمن، الأيام الأولى بعده كانت شبه حلم تقيل، أصحى على الساعة أربعة الفجر من غير ما ألاقي الباب بيتقفل، ولا صوت ميّه شغالة،