قصة من حكايات هند عبدالعزيز
أنا متجوزة بقالي 7 سنين، وعلاقتي بسلفتي عمرها ما كانت أكتر من سلامات ومجاملات خفيفة… لا إحنا قريبين أوي، ولا في بينا مشاكل. كل واحدة في حالها، وكفاية علينا كده.
من أسبوع، جوزها رجع من الخليج بعد غياب سنين، وكلمتني بنفسها بصوت كله ود وقالتلي:
"جوزي جايب هدايا للولاد 🧸"
فرحتلهم بجد، وقلت لها: "ربنا يبارك لكم، وشكرًا جدًا 🤍"
لكن جوايا كان في إحساس غريب… مش قلق، بس حاجة كده اسمها "مش عايزة يبقى لحد عندي حاجة". طول عمري بحب أكون خفيفة، لا ليّا عند حد جميل ولا حد شايل مني حاجة.
قولت أعمل واجب من غير ما حد يطلب… كان عندي فرخة جوزي جايبها، فدخلت المطبخ من بدري، وطبخت أحلى غدا: رز متظبط، وصينية فراخ محمرة ريحتها كانت تفتح النفس. رتبت الأكل في صينية نضيفة، ولمّعتها كأنها رايحة فرح، وبعتها مع بنتي لحد عندهم وأنا مبسوطة إني عملت حاجة من قلبي.
بليل… بنتي رجعت.
كانت شايلة الصينية… مغسولة ولامعة، والمعالق مترتبة بعناية كأنهم خارجين من محل أدوات.
وفي إيديها كيس صغير 🛍️
قلبي دق بسرعة… قلت أكيد دي الهدية اللي كانت بتتكلم عنها.
ابتسمت لوحدي، مش عشان الهدية نفسها، لكن عشان حسيت إن الدنيا لسه فيها ناس بترد الجميل بذوق.
دخلت أوضتي، قفلت الباب، وقعدت على السرير… وفتحت الكيس.
واتجمدت مكاني.
جوا الكيس كان في… طبق بلاستيك صغير، وفيه بقية من الأكل اللي أنا كنت عملاه.
رز ناشف، وحتة فرخة متعضوضة.
ومعاهم ورقة صغيرة مطبقة.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحها…
مكتوب فيها بخطها:
"معلش يا حبيبتي، الأكل كان تقيل علينا شوية، فدوقنا منه بس…
وقتها حسيت كأن حد سكب عليّا مية ساقعة.
مش عشان الأكل… ولا عشان إنها مرجعتش الجميل… لا…
عشان الإحساس.
إحساس إن اللي عملته من قلبي… اتفهم غلط، أو اتاخد باستخفاف، أو يمكن… اترد عليه بإهانة مغلفة بذوق مزيف.
قعدت ساكتة شوية… ببص على الورقة… وبعدين على الطبق… وبعدين حسيت بحاجة جوايا بتتكسر.
مش كرامتي بس… لا، حاجة أعمق… ثقتي في البساطة.
جوزي دخل عليّا بعد شوية، وشاف وشي متغير.
قال: "مالك؟"
مديت له الكيس من غير كلام.
قرأ الورقة… وسكت.
بعدين قال بهدوء غريب: "إنتي متأكدة إن ده هزار تقيل؟"
بصيت له وقلت: "لو هزار… يبقى هزار وحش أوي."
عدت الليلة تقيلة… وأنا بين زعل وغضب وحيرة.
تاني يوم الصبح، كنت ناوية أعدي الموضوع… أقول لنفسي كل واحد وله طريقته… لكن فجأة لقيت سلفتي بتكلمني.
صوتها عادي جدًا، كأن مفيش حاجة حصلت:
"ها يا حبيبتي، الولاد عجبتهم الهدية؟"
وقتها فهمت.
الهدية… مش كانت في الكيس.
الهدية الحقيقية… كانت الاختبار.
قلت بهدوء: "آه، عجبتهم جدًا."
وسكتت شوية… وبعدين قلت: "والأكل؟"
ضحكت وقالت: "بصراحة إحنا مش بنحب الأكل التقيل… بس دوقنا منه."
ساعتها ابتسمت… ابتسامة باردة أول مرة أعملها.
وقلت: "ربنا يعينكم."
قفلت المكالمة… وأنا حاسة إني فهمت حاجة مهمة جدًا.
مش كل حد يبتسم لك يبقى صافي… ومش كل واجب لازم يترد بواجب.
ومن يومها… بقيت بعاملها بنفس طريقتها.
سلامات… ومجاملات… وبس.
لكن جوايا… بقيت أعرف حدودي كويس.
والكيس الصغير ده؟
مسبتوش.
احتفظت بيه.
مش عشان أفتكر الإهانة…
لكن
عدّت أيام بعدها… وأنا حاولت أعيش عادي كأن اللي حصل صفحة واتقفلت. بس الحقيقة؟ في حاجات مهما حاولت تنسيها، بتفضل جوه القلب زي شوكة صغيرة… مش بتوجع طول الوقت، بس أول ما تلمسها تحس بيها.
سلفتي رجعت لطبيعتها… مكالمات خفيفة، سلامات في المناسبات، وكأن الكيس الصغير اللي رجعلي بالأكل ده ماكانش رسالة تقيلة أوي بالشكل ده. وأنا كمان… لعبت نفس الدور. بابتسم، وبرد، وبقول "حاضر" و"تمام"… بس من غير ما أفتح باب تاني.
لحد ما في يوم… حصل موقف غيّر كل حاجة.
كنت قاعدة في البيت، وبجهز الغدا، لما جالي اتصال منها… بس المرة دي صوتها ماكنش زي كل مرة. كان مهزوز… ومش مفهوم.
"إلحقي يا أختي… أنا تعبانة أوي… ومش عارفة أتصرف…"
قلبي دق… غصب عني، كل اللي حصل قبل كده اتزاح على جنب، وقولت: "مالك؟ فين جوزك؟"
قالت بصوت متقطع: "هو نازل مشوار… وأنا لوحدي… ومش قادرة أقوم…"
من غير تفكير، لبست وخرجت جري عليها. مهما كان اللي بينا… في الآخر دي مرات أخو جوزي، وفي حاجة اسمها أصل.
لما دخلت بيتها… اتفاجئت.
البيت مش مترتب زي كل مرة… في فوضى خفيفة، والأطفال قاعدين ساكتين بشكل غريب، وهي نايمة على الكنبة وشكلها فعلاً تعبان.
قربت منها، لقيت حرارتها عالية جدًا.
بدأت أتصرف بسرعة… جبت لها مية، حطيت لها كمادات، كلمت جوزي ييجي يساعدني، وبعدها أخدناها على المستشفى.
ساعات عدت… بين تحاليل وكشف ودكاترة… لحد ما اطمنا إنها كانت حالة إرهاق شديد مع هبوط حاد.
رجعنا البيت بالليل… وأنا كنت تعبانة زيها، بس ارتحت إني ما سبتهاش.
وأنا
بصتلي بنظرة مختلفة… مش نفس النظرة اللي فيها مجاملة باردة… لا، دي كانت فيها حاجة مكسورة.
قالتلي بهدوء:
"أنا كنت غلطانة معاكي."
سكتت… مستنية تكمل.
قالت:
"اليوم اللي رجعتلك فيه الأكل… أنا ماكنتش أقصد أجرحك بالشكل ده… بس… كنت شايفة إنك بتتعاملي من فوق… وإنك عايزة تفرضي نفسك علينا."
اتفاجئت… قلت: "أنا؟!"
هزت راسها وقالت:
"آه… كنت فاكرة إنك بتعملي كده عشان تقولي إنك أصول وأحسن مني… فحبيت أضايقك… وأكسر الإحساس ده."
الكلام نزل عليّا تقيل… بس في نفس الوقت… وضّحلي حاجات كتير.
أوقات الناس ما بتشوفش نيتك… بتشوف خوفها هي.
قلت لها بهدوء:
"أنا عمري ما فكرت كده… أنا كنت بعمل اللي اتربيت عليه بس."
دموعها نزلت وقالت:
"عارفة… واتأكدت النهارده… لما سيبتي كل حاجة وجيتيلي."
سكتنا شوية… وبعدين قالت جملة عمري ما هنساها:
"الطبق اللي رجعتهولك… أنا اللي كنت صغيرة فيه… مش الأكل."
ابتسمت… ابتسامة خفيفة، فيها تعب سنين ومواقف.
قلت لها:
"كلنا بنغلط… المهم نتعلم."
من يومها… العلاقة بينا اتغيرت.
مش بقينا أصحاب أوي فجأة… لا… بس بقى في حاجة أهم: وضوح.
بقت لما تزعل تقول… ولما تفرح تشارك… وأنا كمان.
والكيس الصغير؟
في يوم من الأيام… جبته… وادتهولها.
استغربت وقالت: "ده لسه عندك؟!"
قلت لها وأنا بابتسم:
"أيوه… بس مش عشان أفتكر اللي حصل… عشان أفتكر إن حتى الحاجات اللي بتوجعنا… ممكن تبقى بداية لحاجة أنضف."
ضحكت وهي بتمسح دموعها… وقالت:
"طيب المرة دي… أنا اللي هابعتلك صينية."
رديت بسرعة وقلت:
"بس متكونش متعضوضة بقى!
ضحكنا… ضحكة حقيقية المرة دي.
يمكن الحياة مش بتديك دايمًا ناس على مزاجك…
بس بتديك فرص تفهمهم… أو على الأقل… تفهم نفسك أكتر.
وأنا؟
اتعلمت إن الطيبة مش ضعف…
بس كمان… لازم يبقى ليها حدود.