سر العقد الاحمر
الشمس كانت طالعة على فيلا نادية هانم وكأنها بتكشف ستر الزمن، نورها داخل من كل شباك، يلمس تراب السنين اللي متراكم فوق الذكريات. أمل كانت واقفة في أوضتها الضيقة، ماسكة العقد الأحمر في إيديها، قلبها بيدق بسرعة مش مفهومة، كأن الحاجة الصغيرة دي شايلة حكاية أكبر منها بكتير. من يوم ما دخلت البيت ده وهي حاسة إنها مش غريبة بالكامل في حاجة بتشدها، حاجة بتقولها إن المكان ده شافها قبل كده، حتى لو هي نفسها مش فاكرة.
مرت شهور كتير، والشمس بقت تدخل جنينة الفيلا كل يوم وكأنها بتراقب حكاية بتتكتب من جديد بس الحقيقة إن الهدوء اللي كان باين على السطح، كان تحته بحر متلخبط من المشاعر اللي لسه ما استقرتش. أمل كانت بتتحرك في البيت بثقة أكبر، لبسها بقى أنضف، أوضتها اتنقلت لأوضة فيها شباك ونور بس جواها، الطفلة اللي اتسابِت على ضفة نهر، لسه بتسأل نفس السؤال ليه؟
نادية هانم، من ناحيتها، كانت بتحاول بكل الطرق تعوّض، بس كل محاولة كانت تقابلها نظرة حذرة من أمل مش رفض، لكن مش قبول كامل. كانت ساعات تفضل واقفة قدام باب أوضتها، ترفع إيدها تخبط وبعدين ترجع من غير ما تعمل حاجة،
وفي يوم، وأمل قاعدة في الجنينة بتقرا الورقة القديمة اللي لقتها في الدرجاللي كانت مليانة كلام مبهم عن اتفاق وليلة ما ينفعش حد يعرف عنها حاجةالست زكية قربت منها بهدوء. المرة دي، ملامحها مكنتش بس تعبانة كان فيها خوف.
لسه في حاجة ما اتقالتش يا أمل
أمل رفعت عينيها ببطء إيه تاني؟ هو في أكتر من كده؟
زكية قعدت جنبها، وإيديها بتترعش اللي حصل يوم النهر ما كانش كله بإيد نادية هانم.
أمل حسّت قلبها اتقبض قصدك إيه؟
زكية بصت حواليها كأن الحيطان ممكن تسمع في راجل راجل غني جدًا هو السبب الحقيقي.
في اللحظة دي، صوت عربية فخمة دخل من بوابة الفيلا. أمل وزكية بصوا لبعض، وكأن القدر اختار التوقيت بنفسه. نزل من العربية راجل في الخمسينات، لبسه شيك، وشه فيه هيبة بس عينيه فيها برود يخوّف.
نادية هانم خرجت تستقبله، ووشها اتشد أول ما شافته إنت إيه اللي جابك هنا؟
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة وحشتيني يا نادية معقول مش عايزاني أزورك بعد كل السنين دي؟
أمل كانت واقفة من بعيد، قلبها بيقولها إن الراجل ده مش غريب عن حكايتها.
زكية همست ده سامي باشا
الدنيا سكتت جوه أمل. الكلمة خبطت فيها زي الرعد أبويا؟!
زكية كملت هو اللي ضغط على نادية زمان لما عرف إنها حامل منك، قالها الفضيحة هتدمر كل حاجة وإن لازم الطفل يختفي.
أمل رجليها ما بقتش شايلة يعني هو السبب؟
أيوه وهو كمان اللي نشر إنها ماتت عشان يقفل الموضوع.
أمل دمها غلى، بس المرة دي الغضب كان أهدى أعمق أخطر.
دخلت الفيلا بخطوات ثابتة، لقت سامي باشا قاعد بكل ثقة، بيشرب قهوته كأنه صاحب المكان. أول ما شافها، عينيه وقفت عليها شوية أطول من اللازم.
مين دي؟
نادية سكتت مش قادرة تنطق.
أمل قربت، وبصت في عينه مباشرة أنا أمل البنت اللي حاولت تمحيها من الدنيا.
سامي باشا ما اتهزش، بالعكس، ابتسم واضح إنك ما اختفيتيش كويس.
نادية صرخت كفاية! اللي حصل زمان انتهى!
أمل ردت بهدوء غريب لا ما انتهيش. بس أنا مش جاية أنتقم أنا جاية أفهم.
سامي ضحك ضحكة باردة تفهمي؟ الدنيا بسيطة أنا حميت اسمي ومكاني وده كان أهم من أي حاجة.
حتى بنتك؟
ما اعتبرتهاش بنتي.
الجملة كانت كفيلة تكسر أي حاجة فاضلة بس أمل ما انهارتش. بالعكس، قامت واقفة بثبات تمام يبقى ولا أنا اعتبرك أبويا.
نادية كانت بتبكي، وزكية واقفة مش قادرة تتحرك.
أمل كملت بس في فرق بيني وبينك إنت اخترت تمحي وأنا هختار أعيش.
سامي وقف، وبص لها بنظرة فيها تحدي تعيشي؟ في الدنيا دي؟ محتاجة اسم وفلوس وأنا أقدر أخلي حياتك صعبة جدًا.
أمل ابتسمت لأول مرة بثقة حقيقية أنا جيت من ولا حاجة يعني ما عنديش حاجة أخاف عليها.
الصمت سيطر على المكان، وسامي باشا فهم إن اللعبة دي مش زي زمان وإن البنت اللي قدامه مش الطفلة اللي اتسابِت.
خرج وهو ساكت، بس واضح إن الحكاية ما خلصتش.
في الليالي اللي بعد كده، أمل بدأت تكتب تكتب كل حاجة عرفتها، كل سر، كل وجع. كانت ناوية تواجهه بطريقة مختلفة مش بالصوت العالي، لكن بالحقيقة.
نادية بدأت تقرب منها أكتر، المرة دي من غير خوف من غير تردد. وفي ليلة، وهي قاعدة جنبها، قالت أنا مش مستنية تسامحيني بس عايزة أكون موجودة لو احتجتي.
أمل بصتلها، وسكتت لحظة، وبعدين قالت خليكي بس المرة دي، ما تمشيش.
الست زكية، من بعيد، ابتسمت والدموع في عينيها كأنها شايفة النهاية بتتغير قدامها.
والفيلا اللي كانت زمان مسرح للهرب والكذب، بقت ساحة مواجهة بس مش مواجهة انتقام
والحكاية لسه مخلصتش لأن