الجزء الثاني حكايات محمد عبده
الجزء الثاني
المكالمة ما خدتش دقايق… لكن بالنسبة لي كانت أطول لحظة عدّت عليّ في حياتي.
ياسمين كانت لسه واقفة قدامي، رافعة راسها بتحدي، وكأنها عملت إنجاز.
أما كريم… فكان واقف ساكت، لا دافع عني ولا حتى اعتذر.
بعد حوالي عشر دقايق، صوت عربية الشرطة كسر الصمت اللي كان مالي الشارع.
الجيران لسه واقفين، بيتفرجوا… بعضهم متعاطف، والبعض مستني ڤضيحة أكبر.
نزل ظابطين من العربية، واحد فيهم سأل بهدوء:
— مين اللي بلغ؟
رفعت إيدي وقلت:
— أنا… اتضربت جوه بيتي.
الظابط بص لياسمين:
— الكلام ده صحيح؟
ياسمين ضحكت بسخرية وقالت:
— ضړبة إيه بس؟ ده مجرد سوء تفاهم عائلي.
قبل ما أتكلم، واحدة من الجيران — مدام نجلاء — قالت بصوت عالي:
— لا يا بيه، إحنا شفنا كل حاجة… البنت ضړبتها بالقلم قدامنا كلنا.
الوشوش حوالينا بدأت تأكد الكلام…
وفجأة الموقف اتقلب.
الظابط بقى جدي:
— مدام، اتفضلي معانا على القسم.
ياسمين اټصدمت:
— إيه؟! أنا؟! ده هزار؟
— مفيش هزار في اعتداء.
كريم أخيرًا اتحرك وقال:
— يا فندم، الموضوع بسيط… مش مستاهل.
بص له الظابط بحدة:
— لما أمك تقول إنها اتضربت… يبقى الموضوع كبير.
بصيت لكريم… يمكن دي اللحظة اللي يقف فيها جنبي.
لكن اللي حصل… كان آخر حاجة كنت أتوقعها.
قال
— يا ماما… ممكن نحل الموضوع بينا؟
حسيت بشيء بيتكسر جوايا… مش بس قلب… ده كان آخر أمل.
قلت وأنا ثابتة:
— لا… القانون ياخد مجراه.
ياسمين بدأت تعلى صوتها:
— إنتِ بتضيعي مستقبلنا! هتوديني في داهية عشان قلم؟!
رديت بهدوء:
— القلم ده كشفلي كل حاجة.
الظباط طلبوا بطاقتها، وبدأوا الإجراءات.
وأنا واقفة… لأول مرة حسيت إني مش ضعيفة.
لكن المفاجأة ما كانتش هنا…
وأنا داخلة أجيب بطاقتي، افتكرت حاجة…
دخلت أوضتي، وفتحت درج المكتب… وطلعت ملف قديم.
رجعت بيه وقلت للظابط:
— على فكرة… في حاجة تانية لازم تتحققوا فيها.
كريم اتوتر:
— إيه ده يا ماما؟
فتحت الملف قدامهم…
— البيت اللي اتباع… أنا كان ليا فيه نسبة.
الكل سكت.
كملت:
— أنا محولة 800 ألف جنيه من حسابي وقت الشراء… وده مثبت في الورق.
الظابط بص للأوراق باهتمام:
— يعني حضرتك شريكة؟
— أيوه… بس كنت سايبة كل حاجة لابني بثقة.
بصيت لكريم مباشرة:
— بس واضح إني كنت غلطانة.
وشه اصفر…
وياسمين فجأة سكتت خالص.
الظابط قال:
— كده الموضوع مش بس اعتداء… ده كمان ممكن يبقى فيه شبهة قانونية في البيع.
ياسمين فقدت أعصابها:
— إنتِ بتعملي إيه؟! عايزة تحبسينا؟!
قلت بهدوء قاټل:
— أنا بس باخد حقي.
في اللحظة دي…
المشهد كله اتغير.
كريم بقى مش بس ابن محتاج مساعدة…
بقى شخص ممكن يتحاسب.
وياسمين…
مش بس زوجة متسلطة…
بقت في ورطة حقيقية.
واللي حصل بعد كده…
كان أقسى مما يتخيلوا.
الجزء الثالث (النهاية)
الشارع كله كان ساكت…
مفيش غير صوت أنفاس متوترة ونظرات مترقبة.
كريم كان واقف قدامي، وشه شاحب، وكأنه لأول مرة يشوفني بجد.
أما ياسمين… فثقتها بدأت ټنهار واحدة واحدة.
الظابط قفل الملف وقال بجدية:
— إحنا هنحتاج نراجع الموضوع قانونيًا… والكل ييجي القسم.
ياسمين صړخت:
— أنا مش هروح في حتة!
الظابط رد بحزم:
— ده مش اختيار.
كريم حاول يمسك إيدها، لكن إيده كانت بتترعش:
— خلاص يا ياسمين… نروح ونحل الموضوع.
بصت له پصدمة:
— إنت بتسلّمني؟!
لكن المرة دي… كريم ما ردش.
بصلي أنا… نظرة فيها ندم متأخر جدًا.
قال بصوت مكسور:
— يا ماما… أنا غلطت.
سكت شوية وكمل:
— أنا سبت كل حاجة لياسمين… وما سألتش… وما فكرتش… لحد ما ضاع كل شيء.
كنت سامعاه… لكن قلبي ما كانش زي الأول.
قلت بهدوء:
— الغلط مش إنك تثق… الغلط إنك ما تتحملش نتيجة اختياراتك.
ياسمين اتدخلت بعصبية:
— بلاش تمثيل! إنتِ السبب! لو كنتِ استقبلتينا من الأول، ما كناش وصلنا لكده!
بصيت لها نظرة واحدة بس… كانت كفاية تسكتها.
— أنا السبب؟ ولا الطمع اللي عمي
سكتت… لأول مرة.
الظباط أخدوهم ناحية العربية…
وقبل ما يركبوا، كريم لف وبصلي تاني.
— ممكن تسامحيني؟
السؤال كان صعب… مش عشان الإجابة…
لكن عشان اللي اتكسر بينا.
قلت له:
— المسامحة مش كلمة… دي أفعال.
ركب العربية… وهو عارف إن الطريق اللي جاي مش سهل.
بعد أيام…
التحقيقات بدأت تكشف كل حاجة.
المشروع اللي ياسمين حطت فيه الفلوس؟
طلع وهمي… وصاحبتها اختفت بالفلوس.
العربية اللي اشترتها لأمها؟
اتباعت بسرعة عشان يسددوا جزء من الديون.
وكريم…
لقى نفسه فجأة بلا بيت، بلا فلوس… ومهدد بقضايا قانونية بسبب البيع بدون موافقة شريك.
أما ياسمين…
فالقضية بتاعة الاعتداء كانت كفيلة إنها تدخل في دوامة أكبر مما تتخيل.
وبالنسبة لي؟
رجعت بيتي… لنفسي… لهدوئي.
كنت قاعدة في الجنينة، بقص الورد من تاني…
نفس المكان… لكن أنا مش نفس الشخص.
اتعلمت درس قاسې:
إن الحب مش معناه إنك تضحي بكل حاجة…
وإن الطيبة الزايدة ممكن تتحول لنقطة ضعف لو ما حطتش حدود.
وفي يوم…
سمعت خبط خفيف على الباب.
فتحت… لقيت كريم واقف لوحده.
مش بنفس الشكل…
ولا بنفس الغرور…
كان إنسان تاني خالص.
قال بهدوء:
— أنا مش جاي أطلب حاجة… أنا جاي أصلّح اللي أقدر عليه.
بصيت له شوية…
وبعدين قلت:
— الطريق طويل… بس لو ناوي
ما دخلش البيت…
بس لأول مرة… حسيت إنه ممكن يستاهل فرصة… مش دلوقتي… لكن يومًا ما.
النهاية
حكايات محمد عبده