لقاء في الحفلة
ليلة خطوبة رامي السلحدار كانت متخططلها تبقى أهم ليلة في الموسم كله ليلة تتكتب في مجلات المجتمع الراقي، وتتصور فيها الضحكات والماس والكاسات الكريستال، لكن محدش كان يعرف إن نفس الليلة دي هتقلب لعنة على ناس، ورحمة لناس تانية، وإن السر اللي مدفون من عشرين سنة هيطلع وسط الموسيقى والشمبانيا والريحة الغالية والبدل الإيطالي.
قصر عيلة السلحدار في الجونة كان عامل زي مدينة من نور. البحر قدامه ساكت، والنجوم فوقه لامعة، وكأن السما نفسها جاية تحضر الخطوبة. شاهيناز كانت ماشية وسط المعازيم بفستان أبيض مطرز بالألماظ، وكل شوية تبص لنفسها في المرايات بإعجاب، لأنها أخيراً هتبقى مدام شاهيناز السلحدار، مرات أغنى رجل أعمال شاب في البلد.
لكن الحاجة الوحيدة اللي بوظت مزاجها كانت نظرة رامي للشغالة.
نظرة واحدة من رامي لنسمة كانت كفاية تخلي قلب شاهيناز يتحرق.
ومن هنا بدأت المصيبة.
بعد ما نسمة خلصت الأغنية، القاعة كلها فضلت ساكتة سكوت مرعب. لا صوت شوك ولا كاسات ولا نفس حتى. والكل باصص على البنت اللي واقفة على المسرح، كأنها خرجت من زمن تاني.
رامي قرب منها ببطء، ووشه كله دموع.
نسمة فتحت عينيها بتوتر أول ما خلصت آخر كلمة في التنويمة، ولقت رامي واقف قدامها مباشرة.
بصلها للحظات طويلة، وبعدين قال بصوت مبحوح إنتي اسمك نسمة بس؟
نسمة ارتبكت أيوه يا فندم.
رامي بلع ريقه، وعينيه راحت ناحية رقبتها الطرحة ممكن تبعديها شوية؟
القاعة كلها بدأت تهمهم باستغراب، وشاهيناز جريت عليهم بعصبية رامي! إنت بتعمل إيه؟ الناس كلها بتتفرج!
لكن رامي مكنش سامعها.
نسمة بإيد مرتعشة رفعت شعرها من على رقبتها
وفي اللحظة دي رامي حس إن قلبه وقف.
وحمة صغيرة على شكل هلال.
نفس الوحمة.
نفس العلامة اللي كانت في رقبة أخته لي
رجع عشرين سنة لورا في ثانية.
افتكر أمه وهي بتصرخ بجنون. افتكر أبوه وهو مكسر البيت كله من العجز. افتكر التنويمة اللي كانت أمهم بتغنيها للبنت الصغيرة كل ليلة.
التنويمة نفسها اللي نسمة غنتها حالاً.
رامي اتراجع خطوة كأنه اتضرب في صدره، وبعدين قال بصوت مخنوق لي لي؟
نسمة اتجمدت.
الاسم ده
الاسم ده كانت ست عجوز بتقولهلها زمان قبل ما تموت. الست اللي ربتها في حارة فقيرة في شبرا وكانت دايماً تقول لها وهي صغيرة إنتي مش بنتي يا لي لي إنتي أمانة.
نسمة عمرها ما فهمت معنى الكلام.
شاهيناز بدأت تحس بالخطر إيه التمثيلية دي؟! دي شغالة يا رامي!
لكن رامي لف لها بعين مليانة نار اسكتي.
أول مرة في حياتها حد يكلمها بالطريقة دي قدام الناس.
رامي مد إيده المرتعشة ناحية نسمة إنتي فاكرة أي حاجة من طفولتك؟ أي حاجة!
نسمة دموعها نزلت فاكرة ست كانت بتغنيلي نفس الأغنية وفاكرة سلسلة دهب عليها حرفين L S بس اتسرقت مني وأنا صغيرة.
رامي شهق.
L S لي لي سلحدار.
أمه زمان كانت عاملالها السلسلة مخصوص.
في اللحظة دي سيدة كبيرة وسط المعازيم وقعت الكاس من إيدها.
كانت سعاد السلحدار أم رامي.
قربت وهي بتترعش، وبصت لنسمة ثواني طويلة، وبعدين حضنتها فجأة وهي بتصرخ بنتي بنتي رجعتلي!
القاعة انفجرت همهمة وصريخ.
الصحفيين طلعوا موبايلاتهم. الكاميرات اشتغلت. المعازيم بقوا واقفين مصدومين.
أما شاهيناز فوشها بقى أصفر.
لكن الصدمة الأكبر كانت لسه جاية.
لأن فهمي دياب أبو شاهيناز، عضو مجلس الشعب المعروف، كان واقف بعيد ووشه كله خوف لأول مرة.
الخوف الحقيقي.
لأن في السر هو كان يعرف القصة.
من عشرين سنة، شركة فهمي دياب كانت بتغرق، وكان مديون بمبالغ مرعبة. وقتها
ولو البنت اختفت جزء ضخم من الورث هيتجمد ويتحول لشركاء تانيين.
فهمي وقتها دفع لواحد مجرم يخطف الطفلة.
لكن العملية خرجت عن السيطرة، والراجل هرب بالبنت وباعها لعصابة بتتاجر بالأطفال.
ومن يومها اختفت.
فهمي كان فاكر إن الموضوع مات واتدفن.
لكن نسمة رجعت.
ورجعت معاها نهايته.
رامي فجأة بص لفهمي وكأنه فهم كل حاجة إنت مالك؟ وشك أصفر ليه؟
فهمي حاول يضحك أكيد توتر يعني
لكن في نفس اللحظة، راجل عجوز من الضيوف قرب وهو بيبص لنسمة بصدمة أنا شوفت البنت دي قبل كده!
الكل بصله.
قال من عشرين سنة ليلة خطف بنت السلحدار كنت شغال سواق عند فهمي بيه وشفت راجل سلّم طفلة صغيرة لفهمي بنفسه!
الصالة انفجرت.
شاهيناز صرخت إنت كداب!
لكن الراجل كمل وخدت فلوس عشان أسكت وأنا ساكت من يومها.
فهمي حاول يهرب، لكن رامي مسكه من ياقة بدلته قدام الكل أختي راحت منك فين؟!
فهمي بدأ ينهار أنا أنا مكنتش عايز أذيها كنت مفلس!
سعاد السلحدار صرخت فيه بانهيار حرمتني من بنتي عشرين سنة يا شيطان!
شاهيناز كانت بتبص لأبوها كأنها أول مرة تشوفه.
الشرطة وصلت بعد دقائق، لأن بعض المعازيم بلغوا فوراً.
وفهمي دياب اتقبض عليه وسط الكاميرات.
أما شاهيناز، فوقفت تبكي بانهيار وهي بتبص لرامي أنا ماليش دعوة!
لكن رامي بصلها باحتقار إنتي ذليتي أختي قدام الناس.
شاهيناز قربت منه مكنتش أعرف!
رامي رد ببرود وده أسوأ إن قلبك كان قاسي للدرجة دي من غير سبب.
وفي نفس الليلة، الخطوبة اتلغت.
والقصر كله اتقلب من حفلة لأكبر فضيحة مجتمع في البلد.
لكن بالنسبة لنسمة كانت الليلة دي بداية حياة جديدة.
رجعت تعيش وسط أهلها الحقيقيين، لكن الفلوس والقصور مكانوش أهم
الأهم كان الحضن اللي اتحرمت منه عشرين سنة.
أمها كانت كل يوم تصحى تتأكد إن بنتها موجودة بجد ومش حلم. ورامي بقى يرفض أي حد يعامل نسمة كأنها الشغالة السابقة.
وفي يوم، نسمة نزلت المطبخ تساعد الخدم كعادتها، لكن الشيف ارتبك يا هانم مينفعش!
نسمة ابتسمت أنا عمري ما هنسى أنا كنت مين.
الكلام ده خلا كل العاملين في القصر يحبوها أكتر.
أما شاهيناز
فكل أصحابها اختفوا بعد القبض على أبوها، والصحف دمرتهم بعناوين الفضائح، والحسابات البنكية اتحفظ عليها، وكل الناس اللي كانت تتملق لها بقت تتجنبها.
وفي ليلة بعد شهور، كانت قاعدة لوحدها في الفيلا الفاضية تبكي، وسمعت في التلفزيون خبر شركة السلحدار تعلن تعيين الآنسة نسمة السلحدار رئيسة لمؤسسة خيرية لرعاية الأطفال المفقودين.
شاهيناز سكتت وهي تبص للشاشة.
ونسمة ظهرت بابتسامتها الهادية تقول كل طفل ضاع لازم يرجع لحضن أهله وأنا الدليل إن ربنا مهما أخّر الحق بيرجعه.
شاهيناز قفلت التلفزيون وهي منهارة.
أما نسمة، فوقفت بعدها على شرفة القصر تبص للبحر، والهواء يحرك شعرها، وأمها تضمها من ضهرها، ورامي واقف جنبهم.
ولأول مرة من عشرين سنة
التنويمة القديمة رجعت بيتها الحقيقي.
بعد رجوع نسمة لعيلة السلحدار، الناس كلها كانت فاكرة إن الحكاية خلصت وإن الشر اتعاقب، والبنت رجعت لأهلها، وكل واحد أخد جزاءه. لكن الحقيقة إن الكوابيس الكبيرة عمرها ما بتنتهي بسهولة، لأنها بتسيب وراها جروح، والجروح دي أوقات بتصحى في نص الليل وتفكر أصحابها بكل اللي ضاع منهم.
أول أسبوع في القصر كان غريب على نسمة بشكل يخوف.
الأوضة اللي جهزوها ليها كانت أكبر من البيت الشعبي كله اللي اتربت فيه. سرير ضخم، مرايات طويلة، ستاير حرير، وبرفانات متراصة فوق التسريحة. لكن