جوزي قالي اكتبي البيت ب اسمي

لمحة نيوز

تاني يوم الصبح، أول ما صوت الدش في الحمام بدأ يعلى، حسيت إن اللحظة اللي مستنياها بقت جاهزة. مفيش صراخ، مفيش خناقات، ولا حتى دمعة واحدة.. كل حاجة جوايا كانت هادية بشكل يخوف. رمضان كان لسه فاكر إن كل حاجة ماشية زي ما هو مرسمها في دماغه، وأنا مجرد صفحة سهلة يتقلب فيها على مزاجه.

فتحت شنطتي، وحطيت الورق جواها تاني بحرص، كأني بحط روح أبويا وأمي في إيدي. عقد البيت، الأوراق، كل حاجة كانت دليل إن الحكاية اللي هو فاكرها “لقمة سهلة” دي، في الحقيقة حصن متقفل عليه بالمفتاح. وقفت قدام المراية لحظة، بصيت لنفسي، لأول مرة مش شايفة الست اللي بتستحمل وتسكت وتعدّي، لكن شايفة حد تاني خالص… حد اتكسر جواه حاجة، فبقى أخطر من الكسر نفسه.

خرجت من الأوضة بهدوء، عملت لنفسي فنجان قهوة كأن مفيش حاجة حصلت، قعدت في الصالة وبصيت على البيت… نفس الحيطان اللي شافوا ضحكي وعيطي، نفس الكنبة اللي كنا بنقعد عليها نحلم، نفس الركنة اللي أبويا كان بيقعد فيها يقول “البيت ده أمانك يا ليلى”. بس المرة دي مكنش أمان… كان ميدان حرب.

رمضان خرج من الحمام وهو بيفتح الموبايل، وشه كله ثقة. قرب مني، باس راسي كعادته، وقال بنبرة ملسوعة بالزيف:
“صباح الخير يا روحي… عاملة إيه النهارده؟”

ابتسمت. أيوه ابتسمت، بس ابتسامة مش شبه أي حاجة

هو يعرفها.
“كويسة… أوي كمان.”

قعد قدامي وهو بيشرب الشاي، وعنيه بتلمع كأنه مستني اللحظة المناسبة يبدأ فيها التمثيلية اللي متدرب عليها. قال بهدوء مصطنع:
“بالمناسبة يا ليلى… كنت بفكر في موضوع البيت ده تاني. إحنا بقالنا سنين مع بعض، ومفيش فرق بيني وبينك… يعني نكتب العقد ونريح دماغنا من أي كلام من بره.”

هنا قلبي دق دقة واحدة بس، بس شكلي ما اتغيرش.
“كلامك منطقي.” قلتها وأنا بهز راسي كأني مقتنعة.

عيونه لمعت أكتر.
“يبقى نروح الشهر العقاري النهارده؟ عشان نخلص؟”

هزيت راسي بهدوء.
“ماشي… نروح.”

السكوت اللي حصل بعدها كان تقيل. هو افتكر إنه كسب الجولة. أنا كنت عارفة إن الجولة لسه ما بدأتش أصلاً.

بعد ساعة كنا في الطريق. هو سايق وهو بيحاول يبان طبيعي، وأنا بصاله من غير ما أتكلم. كل إشارة، كل زحمة، كل صوت عربيه حوالينا، كان بيضغط على أعصابه وهو فاكر إنه بيضغط عليا. بس الحقيقة إني كنت هادية بشكل مرعب.

دخلنا الشهر العقاري، وقعدنا نستنى الدور. هو كان بيرتب كلامه في دماغه، وأنا كنت برتب النهاية في دماغي.

لما نادوا رقمنا، دخلنا. الموظف بص في الأوراق، وبص لنا، وقال:
“العقد ده أصلاً باسم الزوجة بالكامل.”

لحظة سكون.

رمضان رد بسرعة مصطنعة:
“هنعمل تعديل ونضيف اسمي.”

الموظف رفع عينه:
“مين المالك

الأصلي؟”

بصيت له. بصيت لرمضان. وبعدين قلت بهدوء:
“أنا.”

الكلمة نزلت عليه زي طوبة على دماغه. لأول مرة وشه اتغير. مش بس اتغير… اتعرّى. القناع وقع.

قال بسرعة وهو بيحاول يلحق نفسه:
“بس إحنا متجوزين…”

الموظف قاطعه:
“الملكية مش لها علاقة بالزواج.”

ساعتها حسيت لأول مرة إن الأرض ثابتة تحت رجلي. مش لأني كسبت… لكن لأني بطلت أكون الضحية اللي هو شايفها.

رمضان خرج من المكتب وهو ساكت. أول مرة أشوفه ساكت كده. مكنش عنده رد، ولا خطة، ولا حتى كذبة جاهزة.

في الطريق للبيت، حاول يتكلم:
“إنتي فهمتي غلط… أنا كنت عايز أضمن مستقبلنا…”

لفيت بصيت له وقلت بهدوء يخوف:
“مستقبلنا؟ ولا مستقبلك لوحدك؟”

سكت.

رجعنا البيت، ودخل وهو لأول مرة يدخل كأنه غريب. قعد على الكنبة، ووشه بينهار واحدة واحدة. أمه اتصلت. رد بصوت واطي، مكسور.

سمعتها من التليفون وهي بتصرخ:
“عملت إيه؟!”

قالها وهو مطأطأ:
“فشلت…”

قفلت المكالمة.

في اللحظة دي، حسيت إن الست اللي كانت بتتحرك في الخفاء طول الوقت، طلعت للنور ووقفت قدامنا كلنا.

قمت، دخلت أوضة النوم، وجبت الشنطة اللي فيها الورق، وحطيتها قدامه على الترابيزة.

“ده كل حاجة تثبت إن البيت ده مش لعبة. ولا صفقة. ولا طمع.”

بصلي وهو مش قادر يرد.

كملت:
“وأنا سمعتك. سمعت كل كلمة. مش

محتاجة اعتراف تاني.”

ساعتها وقع على الكنبة، كأنه لأول مرة يفهم إنه خسر مش بس البيت… خسر الصورة اللي كان شايف نفسه بيها.

مر أسبوع.

البيت كان ساكت بشكل غريب. مفيش خطط، مفيش مكالمات سرية، مفيش ضحك مزيف. بس في حاجة تانية كانت واضحة… أنا بدأت أرجع لنفسي.

بدأت أخرج، أشتغل، أرتب حياتي تاني. هو كان موجود، بس كأنه مش موجود. كل مرة يبصلي فيها كان بيشوف حد مش قادر يوصل له.

في ليلة، قعد قدامي وقال بصوت مكسور:
“أنا غلطت.”

بصيت له، ومجرد ما سمعت الكلمة دي، مفيش أي حاجة جوايا اتحركت.

قلت:
“الغلط مش المشكلة… المشكلة إنك كنت فاكرني مش هافوق.”

سكت.

كملت وأنا واقفة:
“أنا مش هكمل حياتي مع حد بيشوفني صفقة.”

وقمت دخلت أوضتي.

تاني يوم، بدأ إجراءات الانفصال بهدوء. مفيش صراخ، مفيش فضايح. هو وافق. يمكن لأنه لأول مرة فهم إن اللعب خلص، وإن الورق مش دايمًا في صف اللي بيخطط أكتر.

بعدها بشهور، البيت فضل زي ما هو… بس روحه اتغيرت. وأنا؟ بقيت أقف قدام الشباك الصبح، أشرب قهوتي، وأبص على الشارع، وأحس إن في حاجة رجعتلي… مش البيت… نفسي.

وأكتر حاجة غريبة إني ما بقيتش شايلة غضب. ولا كره. ولا حتى وجع.

بس كنت شايلة حقيقة واحدة بس:
إن اللي بيخطط يوقعك، ساعات بيوقع نفسه أول واحد…
بس الفرق الوحيد إنك لما تصحي،

بتبقي خلاص مش نفس الإنسان اللي اتلعب عليه.

وإن البيت… مهما كان كبير… ملوش لازمة لو اللي جواه اتبنى على كدبة.

تم نسخ الرابط