عدت بعد سنين طويلة

لمحة نيوز

رجعت البيت بعد سنتين كاملين من الغياب، سنتين كنت فاكر إنهم هيكونوا أطول حاجة صعبة في حياتي، لكن الحقيقة إن اللي استناني كان أصعب بكتير من أي حاجة تخيلتها، كنت داخل البيت وأنا شايل في دماغي صورة مراتي وأولادي وهم بيجروا عليا أول ما أشوفهم، وكنت متخيل الضحك والأكل والدفا اللي غايب عني طول الوقت، لكن أول ما فتحت الباب لقيت سكون غريب، سكون يخلي القلب يقلق من غير سبب واضح، مفيش صوت، مفيش حركة، حتى ريحة البيت كانت مختلفة كأنه مهجور، ناديت عليهم بصوت عالي وأنا بحاول أطمن نفسي إنهم بس نايمين أو في أوضة تانية، لكن مفيش رد، لحد ما ظهرت بنتي ليلى من آخر الممر، كانت واقفة بهدوء غريب على سنها، لبسها أبسط من اللي كنت متخيله، وشها فيه ملامح تعب أكبر من عمرها، وفي حضنها أخوها الصغير نوح اللي كان باين عليه الهدوء والتعلق الشديد بيها كأنه مش لاقي غيرها في الدنيا، أول ما شافتني وقفت لحظة كأنها مش مصدقة، وبعدين قالت بصوت واطي فيه مزيج من الخوف والراحة: بابا أنت رجعت، وقفت مكاني وأنا مش قادر أصدق اللي شايفه، حسيت إن في حاجة غلط، سألتهُم عن ماما، وساعتها السكوت كان هو الإجابة قبل الكلام، ليلى نزلت عينيها وقالت بهدوء موجع إنها مشيت من فترة طويلة وقالت إنها مش قادرة تكمل مسؤولية البيت، الكلمة دي وقعت على قلبي زي حجر تقيل، حاولت أستوعب وأنا بكرر السؤال كأني مش فاهم، إزاي تمشي وتسيبهم لوحدهم، إزاي طفلين يعيشوا بالشكل ده، لكن اللي كان أكتر وجعًا هو الورقة اللي طلعتها ليلى من شنطتها الصغيرة، ورقة المدرسة اللي كتبت فيها إنها ما قالتش لأي حد إنهم بيعانوا علشان متضايقش بابا لأنه بعيد وبيشتغل عشانهم، وقتها حسيت إن الأرض بتسحبني، لأن بنتي الصغيرة كانت شايلة هم أكبر من سنها وبتحاول تحميني حتى وأنا بعيد عنها، دخلت جوه البيت وأنا مش قادر أصدق اللي شايفه، المطبخ شبه فاضي، التلاجة تقريبًا مفيهاش غير حاجات بسيطة جدًا، والبيت كله باين عليه الإهمال رغم محاولة الأطفال إنهم يحافظوا على أي حاجة فيه، ليلى كانت بتحاول تطبخ حاجات بسيطة لأخوها من غير ما تفهم كل حاجة، وكانت بتحاول تخليه يحس بالأمان حتى لو هي نفسها كانت محتاجة حد يطمنها، قعدت على الكرسي وأنا حاسس إن كل حاجة جوايا اتكسرت بهدوء، مش صدمة صاخبة، لكن وجع صامت، وبقيت أسأل نفسي إزاي عدت السنين دي وأنا فاكر إن البيت مستنيّني زي ما سبتُه، في اليوم

اللي بعده وأنا بحاول أرتب نفسي وأفهم الوضع، لقيت ظرف متثبت على باب البيت، مفتوحتهش في الأول، كنت حاسس إن قلبي مش مستحمل مفاجآت أكتر، لكن لما فتحته اكتشفت إنه إخطار رسمي مرتبط بالبيت، وفيه كلام عن متأخرات ومشاكل مالية بتخص البيت، اتضح إن في التزامات مالية متراكمة باسمّي، حاجات أنا عمري ما كنت أعرف عنها حاجة، ولا حتى شفتها، بدأت أقلب في أوراق البيت القديمة، وكل ما أقلب ورقة أحس إن الصورة بتكبر في دماغي بشكل مرعب، كان في ديون وقروض ومصاريف متراكمة بشكل غريب، وكلها متسجلة بطريقة تخلي الموضوع كأنه باسمي أنا، لكني كنت متأكد إني عمري ما وافقت على ده، ومع التدقيق بدأت أفهم إن في توقيعات اتعملت في وقت أنا كنت فيه بعيد تمامًا عن البلد، في مهمة طويلة ومفيش فيها أي تواصل إلا نادر، حسيت إن في حاجة مش منطقية، مش خيانة ولا صدمة عاطفية زي ما الناس ممكن تتخيل، لكن كان في نوع من الفوضى الإدارية والمالية اللي اتبنت حواليا من غير ما أعرف، وقفت قدام الورق وأنا بحاول أهدى نفسي علشان أفكر بعقل، لكن كل اللي كنت شايفه هو طفلين في البيت ده، واحدة فيهم بتحاول تكون أم وأب في نفس الوقت، وطفل صغير بيكبر في ظل غياب كل حاجة كان المفروض تكون موجودة، قررت إني ما أسيبش البيت ولا أهرب من المسؤولية، بدأت أروح للبنك وأسأل وأجمع معلومات، وأحاول أفهم إزاي وصلت الأمور للشكل ده، وفي نفس الوقت كنت بحاول أعوض ولادي عن كل لحظة غياب، كنت بصحى بدري أعمل لهم أكل بسيط، وأقعد أذاكر مع ليلى دروسها، وأخلي نوح يلعب ويرسم عشان يحس بالأمان، ومع كل يوم كان بيعدي كنت بحس إنهم بيرجعوا يثقوا في الحياة تاني، حتى لو ببطء شديد، ليلى بدأت تبتسم أكتر، ونوح بدأ ينام من غير ما يتمسك بيها طول الوقت، وكأن البيت بدأ يرجع له الروح واحدة واحدة، ومع الوقت قدرت أوصل لحقيقة الأوراق، وبدأت الأمور تتوضح إن في

--

 أخطاء وتداخلات حصلت في غيابي، واضطريت أبدأ إجراءات قانونية علشان أصلح الوضع وأحمي البيت من أي خسائر، لكن كل ده كان بيحصل بهدوء ومن غير ما أحمل أي كراهية لأي حد، لأن أهم حاجة بالنسبة لي كانت ولادي، بعد شهور طويلة من التنظيم والمتابعة، بدأت الأمور تستقر تدريجيًا، والبيت رجع له نظامه، والديون بدأت تتحل خطوة خطوة، والأهم إن العلاقة بيني وبين أولادي رجعت أقوى من الأول، بقيت مش بس الأب اللي رجع بعد غياب، لكن الشخص اللي

موجود كل يوم، يسمع ويطمن ويعوض، وفي ليلة من الليالي ليلى قعدت جنبي وقالتلي إنها كانت فاكرة إني مش هرجع، وإنها اتعلمت تعتمد على نفسها، لكن دلوقتي حاسة إنها مش محتاجة تتحمل كل حاجة لوحدها، وقتها ابتسمت وقلت لها إن قوتها دي هي اللي حافظت على البيت لحد ما رجعت، وإننا دلوقتي هنكمل سوا، مش كأشخاص متفرقين، لكن كعيلة واحدة بدأت من جديد، ومع الأيام البيت اللي كان ساكت ومقفول بقى مليان حياة وضحك وأمل، وكل ذكرى صعبة بقت درس، وكل لحظة خوف بقت دليل على إننا قدرنا نكمل رغم كل حاجة حصلت.

بعد ما الحياة بدأت تهدى شوية في البيت، كنت فاكر إن أصعب مرحلة عدّت خلاص، وإن اللي جاي هيكون مجرد ترتيب أيام وتعويض سنين، لكن الحقيقة إن التحدي الحقيقي بيبدأ لما الهدوء يرجع، لأن وقتها بس بتبدأ تشوف كل التفاصيل اللي كنت مشغول عنها وأنت بتحاول تنقذ اللي باقي، ولقيت نفسي لأول مرة بواجه أسئلة أكبر من مجرد “إزاي نعيش النهاردة”، بدأت أسأل “إزاي نبني بكرة”، وده مش بييجي بسهولة، خصوصًا مع طفلين كل واحد فيهم شايل جواه قصة مختلفة عن الغياب والانتظار والتعود على المسؤولية بدري قوي، ليلى كانت بدأت ترجع لطفولتها تدريجيًا، بس كان واضح إنها لسه جواها جزء بيحاول يفضل قوي طول الوقت، حتى وهي بتضحك كانت عينيها بتراقب كل حاجة كأنها خايفة الدنيا تاخد منها الأمان تاني، ونوح كان عكسها تمامًا، كان بيتعلق بأي لحظة هدوء كأنها كنز، وبيخاف يفقدها بسرعة، وده خلاني أفهم إن الرجوع مش لحظة، الرجوع رحلة طويلة محتاجة صبر أكتر من أي حاجة تانية، بدأت أركز في تفاصيل يومهم، مش بس الأكل والدراسة، لكن الكلام، نظراتهم، طريقة ردودهم، بدأت أسمع أكتر ما أتكلم، لأن الكلام السريع ساعات بيكسر أكتر ما بيصلح، ومع الوقت البيت اللي كان شبه متوقف عن الحياة بدأ يرجع فيه صوت، بس كان صوت هادي، مش ضوضاء، كان صوت خطوات بتتعلم تمشي من جديد، وليلى بدأت ترجع تهتم بحاجات بسيطة زي الرسم والقراءة، ونوح بدأ يخرج طاقته في اللعب بدل القلق، وأنا بقيت أحاول أعوض غيابي مش بالكلام، لكن بالفعل، وجودي كل يوم في تفاصيل صغيرة، ومع كل يوم كنت بحس إن في جزء مني بيرجع يتصلح كمان، لكن وسط كل ده كان في حاجة مختلفة بدأت تظهر، وهي إن الماضي مش بيختفي بسهولة، حتى لو إحنا قررنا نكمل، كان لازم أواجه ملف البيت والالتزامات اللي اتلخبطت في غيابي بشكل نهائي، مش علشان اللوم،

لكن علشان أقفل صفحة وأفتح غيرها صح، بدأت أراجع كل الأوراق بهدوء، أستعين بخبرات تساعدني أفهم الصورة كاملة، وواحدة واحدة بدأت تتكشف الحقيقة بشكل أبسط مما كنت متخيل، كانت فوضى ناتجة عن سوء إدارة وتراكم أخطاء، لكن الأهم إن مفيش حاجة كانت فوق القدرة على الإصلاح، وده كان أول نفس حقيقي أخده من غير ضغط، ومع الأيام بدأت الأمور تستقر ماليًا وإداريًا، لكن الأهم من أي أرقام أو أوراق كان استقرار الأطفال نفسيًا، لأنهم كانوا المؤشر الحقيقي لأي نجاح، مش الحسابات، في يوم من الأيام كنت قاعد مع ليلى على السطح بنشوف الغروب، وسكتت شوية وبعدين قالتلي سؤال بسيط لكنه هزني من جوه، قالت: “هو إحنا ممكن نعيش من غير خوف تاني؟” السؤال كان أكبر من سنها، وأكبر من أي إجابة سريعة، بصيت لها بهدوء وقلت لها إن الخوف مش بيختفي فجأة، لكنه بيصغر كل ما نحط مكانه أمان حقيقي، وإننا دلوقتي بنبني الأمان ده مع بعض، مش كوعود، لكن بأيام بنعيشها خطوة خطوة، ساعتها سكتت وبصت للسماء كأنها بتحاول تصدق، ومع الوقت بدأت ألاحظ التغيير الحقيقي، مش بس في البيت، لكن فينا إحنا كعيلة، بقينا نتكلم أكتر، نخطط أكتر، ونضحك أكتر، وبدأت اللحظات الصغيرة ترجع قيمتها، زي الفطار مع بعض، أو قعدة المساء من غير قلق، أو حتى مجرد إن حد فينا يسأل التاني “أنت كويس؟” من غير توتر، وبعد فترة طويلة حسيت إننا مش بس عدينا الأزمة، لكن خرجنا منها بشكل مختلف، أقوى لكن أهدى، أعمق لكن أبسط، لحد ما جه يوم وقعدنا كلنا في نفس المكان اللي كنت دخلت منه أول مرة يوم رجوعي، نفس الباب، نفس الجدران، بس إحساس مختلف تمامًا، ليلى كانت ماسكة إيد أخوها، وأنا قاعد قدامهم، وسكتنا شوية، وبعدين قلت لهم جملة واحدة بس، “إحنا عدّينا أصعب جزء، واللي جاي مش محتاج قوة قد ما محتاج استمرار”، ليلى ابتسمت لأول مرة من غير ما تحاول تخبي خوف، ونوح ضحك وهو بيبص لنا كأن الدنيا أخيرًا بقت مفهومة، وفي اللحظة دي فهمت إن البيت اللي كان يومًا مليان صمت وقلق، بقى بيت بيتولد من جديد، مش لأنه مثالي، لكن لأنه حقيقي، لأننا أخيرًا وقفنا على أرض صلبة مش مبنية على توقعات، لكن على وجودنا إحنا مع بعض، ومع آخر ضوء في اليوم ده، حسيت إن الرحلة اللي بدأت برجوع من سفر طويل، انتهت في الحقيقة ببداية جديدة، بداية مش محتاجة بطولات، لكنها محتاجة بس إننا نكمل، يوم ورا يوم، من غير ما نسيب بعض تاني، أبدًا.

تم نسخ الرابط