خطيب بنتي رفض يمضي على القايمة

لمحة نيوز

الرواية الكاملة خيوط الصمت والورق
كان يتبقى على زفاف ابنتي ثمانية عشر يومًا وثلاث ساعات تقريبًا؛ كنت أحسب الأيام بالساعات، بل بالدقائق، ليس فقط من فرط الشوق لرؤيتها بالأبيض، بل لأن البيت تحول منذ أسابيع إلى خلية نحل لا تهدأ ولا تنام، كراتين مكدسة في الممرات، مفروشات تنبعث منها رائحة القماش الجديد، وورق تغليف يتطاير هنا وهناك، وكان فستان الزفاف معلقًا في غرفتها، يتوسط جدارها مثل لوحة مقدسة، تذهب إليه كل نصف ساعة، تلمس الدانتيل الرقيق بأطراف أصابعها، وتبتسم بملامح يمتزج فيها الفرح بالخوف من المجهول، بينما كانت أمها لا تكف عن الإمساك بهاتفها، تراجع الترتيبات مع منسق القاعة، وتتأكد من حجز الكوافير، وتناقش تفاصيل قائمة الأغاني مع الدي جي، وتدقق في أصغر تفاصيل العشاء، أما أنا، فكنت أسير في الردهات بجسد منهك وعقل لا يتوقف عن الدوران، ممسكًا بورقة بيضاء طويت أطرافها من كثرة الاستخدام، دونت فيها كل خطوة من حجز سيارة الزفة إلى تفاصيل الاتفاق مع المصور، خوفًا من أن تسقط مني تفصيلة واحدة تفسد على ابنتي ليلتها الكبرى. كل شيء كان يسير على أكمل وجه وبمثالية تحسد عليها، فالشبكة الذهبية التي اختارتها بعناية ملقاة الآن في خزنتنا الصغيرة، والدهب تم تصويره وتوثيقه، ودعوات الفرح وزعت على الأقارب والأصدقاء، وحتى تفاصيل شهر العسل في إحدى المدن الساحلية تم سداد قيمتها بالكامل، ولم يكن يتبق لنا سوى خطوة واحدة اعتبرناها مجرد إجراء روتيني أخير يغلق ملف التجهيزات، خطوة يمر عليها الجميع كبوابة عبور لا بد منها، وهي توقيع القايمة.
لم نكن نتخيل قط أن هذه الورقة، التي لا تتعدى بضعة غرامات من السليلوز والحبر، ستكون الصخرة التي تتكسر عليها أحلام عائلتين، خصوصًا وأن علاقتنا بخطيب ابنتي، ذلك الشاب المهذب والناجح الذي اختارته ونلنا شرف الموافقة عليه، كانت طوال عام ونصف من الخطوبة قائمة على الود والاحترام المتبادل، ولم يبدر منه ما يجعلنا نتشكك في خلقه أو رجولته، ولهذا السبب تحديدًا، دخلنا تلك الليلة ونحن نتوقع سهرة هادئة نضع فيها النقاط فوق الحروف، ثم نقرأ الفاتحة تبركًا، ونستعد للأيام القليلة المتبقية. وصل الشاب ووالده في تمام التاسعة مساءً، كان الطقس دافئًا يبعث على الراحة، واستقبلناهم بالترحاب المعهود، جلسنا في صالون البيت، وتبادلنا النكات والضحكات حول توتر العروس وتعب الأيام الأخيرة في التنقل بين المحلات، وكانت ابنتي تجلس على مقعد جانبي، عيناها تلمعان بخجل حقيقي، وكلما التقت نظراتها بنظرات خطيبها ابتسمت برقة، وكأنها ترى فيه أمانها القادم وملاذها الذي اختارته بقلبها. بعد نصف ساعة من الحديث الودي والارتشاف الهادئ لأكواب الشاي، شعرت أن الوقت قد حان لإنهاء الإجراء الأخير، فقمت من مقعدي متوجهًا إلى مكتب خشيبي في زاوية الغرفة، وفتحت الدرج وسحبت منه الدفتر الذي سطرنا فيه تفاصيل الأثاث والمتاع، وعدت وجلست أمامه، ووضعت الورقة والقلم على الطاولة الزجاجية الفاصلة بيننا، وقلت بنبرة هادئة حملت كل مودة الأب اتفضل يا ابني.. نمضي الورقة دي ونقرأ الفاتحة تاني، وربنا يتمم لكم على خير ويجعل أيامكم كلها بركة.
مد الشاب يده بهدوء، وأخذ الأوراق، وظننت أنه سيمسك بالقلم فورًا، لكنه بدأ يقرأ السطور بعناية فائقة، مرت دقيقة كاملة، ثم دقيقتان، وثلاث، وفي كل ثانية تمر، كنت ألاحظ تحولًا غريبًا يطرأ على ملامح وجهه، اختفت الابتسامة المريحة، وانقبض حاجباه، وظهرت على شفتيه قسوة لم أعهدها فيه من قبل، ثم ببطء شديد، قام بطي الورقة ونقلها من يده ليضعها أمامي على الطاولة ببرود شديد أرسل قشعريرة في أرجاء الغرفة، وقال بكلمات حاسمة ومقتضبة أنا مش همضي على الكلام ده. في تلك اللحظة، لم يستوعب عقلي الكلمات بمعناها الحرفي، وظننت أن الشاب يمازحني أو يمارس تلك الدعابات التي يفعلها الشباب في مثل هذه المواقف لإضفاء جو من الإثارة، فضحكت بصدر رحب وقلت له إيه يا سيدي؟ خلاص خلصنا الهزار.. يلا امضي علشان الوقت ميسرقناش والناس ترتاح، لكنه لم يبتسم، بل ثبت عينيه في عيني بنظرة جافة وقال بصوت نابع من قناعة مطلقة أنا بتكلم جد يا عمي.. أنا مش همضي على القايمة دي. هنا انقطع حبل الضحك تمامًا في الصالون، وتلاشت الأصوات، وأطبقت حيرة ثقيلة على الأنفاس؛ نظرتُ إلى زوجتي فإذ بها قد تجمدت يدها وهي تضع فنجان القهوة، أما ابنتي فقد اتسعت عيناها بذهول، والتفتت بكامل جسدها نحوه وكأنها سمعت لغة أجنبية لا تفهمها، تنتظر منه أن يضحك أو يغير مسار الكلمات، لكن ملامحه ظلت كالحجر.
سألته بنبرة حاولت أن أحافظ فيها على هدوئي ووقاري كأب يعني إيه مش هتمضي يا ابني؟ إيه اللي مش عاجبك في الورقة؟، فأجابني بهدوء شديد مستفز، وكأنه يلقي خطبة أعدها وحفظها عن ظهر قلب منذ أيام لأن أنا شايف إن القايمة دي مش من حقي أمضي عليها، ومش من حق حد يطالبني بيها من الأساس، أنا دفعت المهر اللي إنتوا طلبتوه كامل مكمل ولا نقصت منه جنيه واحد، وجهزت شقة الزوجية بالكامل من مالي الخاص، من أول الأجهزة الكهربائية اليابانية لحد العفش الزان والمطبخ والستائر والسجاد، وإنتوا كعائلة تقريبًا مجبتوش حاجة تتحط في البيت غير شوية رفايع وملابس البنت، فبالتالي لما أكون أنا

تم نسخ الرابط