خطيب بنتي رفض يمضي على القايمة

لمحة نيوز

اللي شاري كل حاجة بفلوسي وتعب شقايا، يبقى أنا بتمضي ليني على ورق بيقول إن الحاجات دي بتاعتكم؟ وبمضي على إيه ولصالح مين؟. حاولت في تلك اللحظة أن أستجمع كل حكمتي وسنين عمري لأشرح له البعد الاجتماعي والإنساني لهذه العادة، فقلت له والصوت ينبض بروح الأبوة يا ابني.. الموضوع مش بالحسابات المادية والفلوس، القايمة بالنسبة لنا كعائلات مصرية مش معناها إننا بنشك فيك أو بنحسب إنت دفعت كام وإحنا دفعنا كام، دي مجرد ضمان تقليدي لبنتنا لو الزمن اتغير والأيام قلبت، الجواز يا ابني قسمة ونصيب، ومحدش فينا عارف بكرة مخبي إيه، والورقة دي بتخاطب الغيب مش الحاضر اللي إحنا واثقين فيه.
لكنه هز رأسه بالرفض القاطع، وارتسمت على وجهه أمارات العناد الشديد وهو يقول لا يا عمي.. دي بالنسبة لي معناها حاجة واحدة بس، إنكم مش واثقين فيا، وشايفيني إنسان ممكن يظلم بنتم في يوم من الأيام، وطالما أنا راجل ملتزم ودخلت البيت من بابه ودعمت كل طلباتكم وجهزت بيتي بالكامل، يبقى مفيش أي قانون أو شرع يلزمني أمضي على ورقة تخليني مهدد بالسجن في أي لحظة بسبب خلاف عائلي. وقبل أن أتمكن من محاصرة عناده بالمنطق، تدخل والده الذي كان يجلس صامتًا طوال الوقت، متكئًا بظهره على الكرسي بنوع من التعالي، وقال بنبرة جافة أكدت لي أن الموقف مرتب ومدروس بينهما وابني عنده حق يا أبو العروسة.. إحنا مش ضد بنتكم، وبنتكم دخلت قلوبنا وبقت زي بنتنا، لكن إحنا مش هنمضي على ورقة ممكن تتحول بعد سنين لسيف مصلط على رقبة ابني، أو تتسبب في مشكلة كبيرة في المحاكم بسبب نوبة غضب أو خلاف بسيط يحصل بين أي زوجين. شعرت حينها أن الكلمات بدأت تسير في نفق مظلم ومسدود، وأن هناك جدارًا خرسانيًا يرتفع بيننا بسرعة مرعبة، وحاولت زوجتي بصوتها المرتجف وبدافع غريزة الأمومة التي تخشى على فرحة ابنتها أن تنكسر، أن تلطف الأجواء فقالت يا جماعة الخير.. صلو على النبي، دي ورقة شكلية وسط الناس، وعمرها ما كانت سبب خلاف بين شاري وبايع، وإحنا أهله وهو ابننا، لكن كلماتها ذهبت أدراج الرياح ولم يلتفت إليها أحد.
في هذه الأثناء، كانت ابنتي تجلس مذهولة، تراقب الرجل الذي اختارته ليشاركها العمر وهو يحول حلمها الصغير إلى ساحة معركة مادية جافة، وفجأة، تحركت من مكانها بخطوات بطيئة ترتجف لها الأرض، واقتربت من طاولة الصالون، وقفت أمامه مباشرة، ونظرت في عينيه وحبست دموعها بقوة جبارة وقالت بصوت متهدج يمزق القلوب أنا مش طالبة منك فلوس.. ولا عايزة أضمن حاجة منك، أنا عمري ما فكرت فيك بلغة المكسب والخسارة، أنا بس عايزة أحس إنك مقدر خوفي ومقدر أهلي، إمضتك على الورقة دي مش عشان الفلوس، دي عشان تريحني وتطمن قلبي، وتخليني داخلة بيتك وأنا حاسة إنك مستعد تعمل أي حاجة عشان تسعدني ومتبقاش الورقة دي هي العائق بينا. كتمنا أنفاسنا جميعًا في تلك اللحظة، وظننت، بل تمنيت من كل قلبي، أن يلين قلبه أمام دموعها المكتومة ونظرتها العاتبة، وأن يتنازل عن كبريائه الفكري من أجل خاطر هذه الفتاة التي يفصلها عن بيته أيام معدودة، لكنه نظر إليها برود غريب، ولم يتحرك في وجهه ساكن، وقال بنبرة حاسمة كقاطع المقصلة اللي محتاج ورقة وعقد عشان يثق فيا ويطمن معايا.. يبقى من الأول مش واثق فيا، وأنا مش هشتري طمأنينة حد على حساب كرامتي وإهانة نفسي.
عندما نطق بهذه الجملة الأخيرة، وكأنه يلقي بماء بارد على مشاعرها الملتهبة، لم تحتمل ابنتي الكلمة، فانفجرت في بكاء مرير وهستيري، غطت وجهها بكفيها وركضت نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوة هزت أرجاء البيت، وجلسنا نحن نستمع إلى صوت نحيبها المرتفع وصيحات قهرها التي اخترقت الجدران لتملأ المنزل كله بالحزن والوجع. شعرت في تلك الثانية بتجمد كامل في أطرافي، ونظرت حول الغرفة فرأيت كراتين الجهاز المعلقة وفستان الزفاف المتربع في الأفق، وشعرت أن كل هذه التجهيزات، وكل الأموال التي أنفقت، وكل السهر والترتيبات والأحلام التي بنيناها طوال الشهور الماضية، بدأت تنهار وتتلاشى كقصر من الرمال تضربه موجة عاتية، بسبب ورقة وجدال عقيم. لكن الذي جعل الدماء تتجمد في عروقي تمامًا، وحول حيرتي إلى غضب عارم، هو ما حدث بعد ذلك مباشرة؛ إذ التفت إليّ والد الشاب، وبدلاً من أن يحاول تطييب خاطري أو الاعتذار عن بكاء ابنتي، نظر إليّ بعينين ضيقتين ونبرة تحمل تهديدًا مبطنًا وفوقية واضحة، وقال جملة نزلت عليّ كالصاعقة بص يا أبو العروسة.. إحنا كلمتنا واحدة ومش هنرجع فيها، يا الجوازة تتم بشروطنا ومن غير ورق يربط ابننا، يا إما كل حي يروح لحاله، وفستان بنتك اللي جوة ده يفضل متعلق في دالوبها، والناس برة ملهاش عندنا غير كلمة نصيب.
تلك الجملة، بطريقتها الفجة وصوتها المستعلي، كانت اللحظة الفاصلة التي جعلت الغشاوة تسقط عن عيني لأول مرة، وشعرت أن الأمر تجاوز حدود الخلاف على القايمة ليتحول إلى قضية كرامة واحترام متبادل، وأدركت أنني لو تنازلت الآن، فسأكون قد سلمت ابنتي لرجل ولوالد رجل يريان في عائلتنا طرفًا ضعيفًا يمكن إملاء الشروط عليه تحت ضغط اقتراب موعد الزفاف وخوفًا من
تم نسخ الرابط