خطيب بنتي رفض يمضي على القايمة
كلام الناس وفضيحة إلغاء الفرح. نظرت إلى زوجتي التي كانت تبكي بصمت وهي تنظر إلى باب غرفة ابنتنا، ثم نظرت إلى الشاب ووالده، ووجدت في عيونهم ثقة مفرطة بأنني سأنصاع في النهاية لإنقاذ الموقف، فتنحنحت، وعدلت من جلستي، وسحبت الورقة والقلم من أمامهم ببطء متعمد، ووضعتهم في جيبي، ثم نظرت إلى والد الشاب وقلت بصوت رخيم وقوي غابت عنه كل مظاهر الضعف يا أبو الكابتن.. فستان بنتي لما يفضل متعلق في دولابها بكرامتها، أحسن بميت مرة من إنه يتلبس في بيت ميعرفش قيمة الأصول ولا بيقدر مشاعر الستات، إنتوا شرفتونا، والجوازة دي ملغية، وبنتنا مش هتدخل بيت شروطكم فيه تسبق مشاعركم، اتفضلوا مع السلامة، والحاجات اللي تخصكم هتوصلكم لحد باب بيتكم بكرة الصبح.
وقع الكلمات عليهما كان مغايرًا تمامًا لما توقعاه، فرأيت الصدمة ترتسم على وجه الشاب الذي لم يظن أن كبرياء الأب سيتفوق على الخوف من خسارة الترتيبات، وقام والده مسرعًا وهو يتمتم بكلمات غاضبة عن تسرعي وعن أنني أخرب بيت بنتي بيدي، لكنني لم أمنحهم فرصة للنقاش، ووقفت وفتحت لهم باب الشقة، وودعتهم بنظرة حاسمة حتى اختفت خطواتهم على السلالم. بمجرد أن أغلقت الباب، انهار الصمت الثقيل في المنزل وتحول إلى مناحة حقيقية؛ ركضت زوجتي نحو غرفة ابنتنا، وكنت أسمع صوت توسلات الأم وبكاء الابنة التي كانت تصرخ قائلة ليه يعمل فيا كده يا ماما؟ أنا حبيته واشترتيه، ليه يكسرني قبل الفرح بأيام عشان ورقة؟، ودخلت أنا خلفهم، وجلست على حافة السرير، وأخذت ابنتي في حضني، ودموعي تنزل صامتة على رأسها، وأنا أهمس لها يا بنتي.. الراجل اللي ملوش أمان في ورقة، ملوش أمان في العمر كله، واللي يستخسر يطمنك ويطمن أهلك في لحظة رضا، بكرة يبيعك بأرخص ثمن في لحظة غضب، الكرامة يا بنتي هي الثوب الحقيقي اللي هيعيش معاكي، مش فستان الفرح اللي مدته ليلة واحدة. قضينا تلك الليلة في ظلام دامس، لا أحد ينام، ولا أحد يأكل، وكانت الهواتف ترن من الأقارب الذين بدأوا يشمون رائحة الخلاف، وكان عليّ أن أتحمل عبء مواجهة المجتمع بقرار إلغاء الزفاف قبل أسبوعين من موعده.
في الصباح التالي، بدأت معركة من نوع آخر؛ معركة تصفية الحسابات وإعادة الحقوق وتلقي الصدمات الاجتماعية، قمت بجمع كافة المتعلقات والشبكة الذهبية التي كانت في خزنتنا، وأرسلتها مع شقيقي الأكبر ورجل من حكماء العائلة إلى بيت الشاب، ترفعًا منا عن أي مهاترات مادية، ورفضت أن أدخل في أي مهاترات أو نقاشات هاتفية معهم، ورغم المحاولات المستميتة من بعض الأطراف للوساطة وإقناعنا بالتنازل والقبول بحل وسط، مثل كتابة وصل أمانة بديلًا عن القايمة أو تقليل المبالغ المكتوبة، إلا أنني كنت حاسمًا كالسيف، فالقضية لم تعد قصرًا على التفاصيل المادية، بل أصبحت قضية عقلية وفكر وجدوى أمان مستقبلي مع إنسان يرى المرونة ضعفًا والتطييب إهانة. مرت الأيام الأولى كأنها دهور، وكان مشهد البيت وهو يمتلئ بالكراتين المغلقة وفستان الزفاف المعلق يدمي القلوب، وتحولت ابنتي إلى شبح يتحرك في المنزل بصمت، تنظر من النافذة لساعات، وتتحمل نظرات الشفقة من قريباتها والأسئلة الفضولية من جاراتها، وكنت في كل ليلة أدخل غرفتها، أتحمل وجعها وأحاول زرع القوة في قلبها، وأؤكد لها أن الله لا يغلق بابًا بالحق إلا ليفتح خلفه أبوابًا من الرحمة والتعويض.
ومع مرور الأسبوع الأول، وبدء تلاشي الصدمة الحادة، بدأ يظهر معدن ابنتي الحقيقي؛ بدأت تستوعب كلامي وتدرك أن نرجسية خطيبها السابق وعناد والده الفج كانا مؤشرين مبكرين لرحلة عذاب مؤجلة لو كانت تلك الجيجة قد تمت، وبدأت بنفسها في لملمة المفروشات وإعادة ترتيب غرفتها، وقامت بإنزال فستان الزفاف ووضعه في غلافه الأسود ودفعه إلى أعماق الدولاب، وكأنها تدفن خلفه مرحلة من حياتها لتستقبل مرحلة جديدة بوعي ونضج أكبر. مرت الأشهر، وانطوت صفحة تلك الحكاية القاسية، وتحولت من جرح دائم إلى درس عظيم تعلم منه الصغير والكبير في عائلتنا، وعادت لابنتي ابتسامتها المعهودة، واستأنفت عملها ودراستها بشغف أكبر وقوة لم نعهدها فيها من قبل، وأدركت أن قيمتها لا تحددها ورقة، ولا يكسرها غياب رجل لم يعرف كيف يحتضن خوفها. وبعد مرور عام ونصف كاملين على تلك الواقعة، طرق بابنا شاب آخر، زميل لها في العمل، رجل بكل ما تحمله الكلمة من معنى؛ جاء وجلس معنا، وعندما فتحت معه تفاصيل التجهيزات والقايمة والأصول المتبعة، ابتسم وقال جملة داوت كل ما بقي من جراح قديمة في قلبي يا عمي.. أنا شاري بنتك بأدبها وأصلها، واكتبوا في القايمة كل اللي يطمنكم ويضمن حقها، لأن اللي يزعل من ورقة بتضمن حق مراته، يبقى نيتة مش صافية، وأنا جاي أبني بيت مش جاي أدخل محكمة. وتزوجت ابنتي في فرح بهيج، وارتدت فستانًا جديدًا، ودخلت بيتها الجديد بكرامة مرفوعة وحق مصان، لتثبت لنا الأيام أن من يترك شيئًا لله كرامةً وحفاظًا على الأصول، يعوضه الله بأفضل منه بكثير، وأن القايمة الحقيقية ليست ورقًا يوقع، بل هي قامة رجل يعرف كيف يصون العرض ويحفظ العهد في المنشط والمكره.