عندما تكون الكرامة أغلي من المال
الحظة التي نطق فيها خطيبي تلك الكلمات، شعرت وكأن الغرفة قد أُفرغت من الهواء تمامًا. حلوة التلاجة... على قدك يا عمي. أصل مكنتش أعرف إن شغل الحلاقة مبيدخلش فلوس كويسة. ثم تلك الضحكة المستفزة التي تلتها عبارته المعتادة يا جماعة بهزر... مالكم كده!.
في تلك الثواني المعدودة، تجمدت الدماء في عروقي. لم أكن أسمع صوت ضحكاته، بل كنت أستمع إلى صوت تحطم شيء غالٍ وثمين داخل صدر أبي. نظرت إلى وجه أبي؛ ذلك الوجه الذي حفرت فيه السنون خطوط التعب والشرف، ورأيت عينيه اللتين كانت تشعان بالفخر قبل لحظات، قد انطفأتا فجأة. انحنت رقبته قليلًا، وحاول أن يبتسم مجاملة، لكن الابتسامة خرجت باهتة ومكسورة كمرآة تهشمت.
هنا، في هذه اللحظة بالذات، انقشع الضباب عن عينيّ. أدركت أن الحب الذي كنت أتحجج به لم يكن سوى وهمٍ كنت أغزل خيوطه لأحمي نفسي من حقيقة مريرة أنني كنت أرتبط برجل لا يرى في عائلتي سوى أرقام في حساب بنكي، ولا يرى في شقاء أبي سوى مادة للتندر.
الفصل الأول صمت ما بعد العاصفة
انسحب خطيبي من بيتنا بعد تلك السهرة وكأن شيئاً لم يكن، ودعنا ببرود وثقة رجل يظن أن ماله يشتري له الحق في قول ما يشاء. بمجرد أن أُغلق الباب وراءه، خيم على الصالة صمت ثقيل لم أعهده في بيتنا من قبل. كان صمتاً موجعاً، أشد قسوة من أي صراخ.
نظرت أمي إليّ بنظرة عتاب ممزوجة بالانكسار، ومسحت طرف جلبابها بيديها المرتجفتين دون أن تنطق بكلمة، ثم توجهت نحو المطبخ. أما زوجة أخي، فقد انسحبت بهدوء إلى غرفتها مقدرةً حجم المأساة التي وقعت. بقيت أنا وأبي في المواجهة.
حاولت أن أقترب منه، أن أمسك بيده الخشنة التي قضت ثلاثين عاماً تمسك بالمقص والمشط لتربينا، لكنه التفت عني بهدوء. توجه نحو الثلاجة الجديدة، ووضع يده عليها وكأنه يتأكد من وجودها، ثم قال بصوت خافت وخانق
تصبحوا على خير يا بنتي.
دخل أبي غرفته، وشعرت حينها أن خنجراً غُرس في قلبي. لم أنم ليلتها. قضيت الساعات وأنا أسترجع شريط السنة الماضية كاملة؛ كيف كنت أعمي عينيّ عن كل الإشارات الحمراء. تذكرت عندما تقدم لخطبتي وجاءت عائلته بسياراتهم الفارهة وملابسهم التي تنضح بالثراء، وكيف كان أبي يرحب بهم بأفضل ما يملك، باسطاً لهم قلبه قبل بيته. تذكرت كيف كانت والدته تنظر إلى جدران بيتنا البسيط بنظرة فحص وتقييم، وكيف كنت أبرر لنفسي أن المهم هو هو، وأننا نحن من سنبني حياتنا معاً. لكنني كنت واهمة.
في الصباح الباكر، استيقظت قبل الجميع. توجهت إلى الصالة ووجدت أبي قد خرج بالفعل إلى دكانه كعادته منذ عقود؛ لا يثنيه حزن ولا يوقفه كسر خاطر. جلست مع أمي على مائدة الإفطار البسيطة، وكانت عيناها منتفختين من قلة النوم.
قالت أمي وهي تصب الشاي بصوت مرتعش يا بنتي، إحنا ناس بنمشي جنب الحيط، وباباكِ شقي طول عمره عشان يرفع راسكم. لما خطيبك يكسر بقلبه قدامنا في بيتنا، يبقى بكرا هيعمل فيكِ إيه لما تقفلي عليكم باب واحد؟
بكيت مريرة، ولم أجد جواباً سوى الصمت.
الفصل الثاني المواجهة الأولى
لم يتصل خطيبي، كرم، طوال اليوم التالي. كان يرى أن ما فعله مجرد مزحة عابرة وأننا، كما يقول دائماً، حساسون زيادة عن اللزوم. في المساء، قررت أن أتصل به أنا، ليس للاعتذار أو التبرير، بل لأضع حداً لهذا الغموض الذي يمزقني.
رد عليّ بصوت كسلان ينم عن عدم الاهتمام أهلاً يا حبيبتي، أخبارك إيه؟ وأخبار عمي والثلاجة الجديدة إيه؟
قلت بنبرة جافة وخالية من أي مشاعر عايزة أقابلك يا كرم. بكرا بعد الشغل في المكان اللي بنقعد فيه دايماً.
شعر بنبرتي المختلفة فقال بضيق خير؟ في حاجة؟ صوتك مش عاجبني.
أجبت بكرا هتعرف كل حاجة. وأغلقت الهاتف قبل أن يسمع ردي.
في اليوم التالي، توجهت إلى المقهى الهادئ الذي كنا نلتقي فيه. كان يجلس واضعاً رجلاً فوق رجل، يتصفح هاتفه الفخم، ويرتدي ساعة تساوي ثمن نصف جهاز عرسي. عندما رآني، ابتسم ابتسامة واثقة وقام ليقبل يدي، لكنني سحبتها بهدوء وجلست.
مالك يا سالي؟ من وقت موضوع الثلاجة وإنتِ قالبة وشك؟ قالها بضيق حقيقي هذه المرة.
نظرت في عينيه مباشرة وقلت أنا مش قالبة وشي يا كرم. أنا بس اكتشفت إني كنت عمية. الكلام اللي قلته لبابا قدام الناس مش هزر. ده قلة ذوق وقلة أصل.
تغيرت ملامحه فوراً، واحمر وجهه غضباً، وقال بصوت منخفض ولكن حاد قلة أصل؟ إنتِ بتغلطي فيا عشان كلمة هزار؟ أنا هزرت مع الراجل، وبعدين ما هي فعلاً على قده! إنتوا ليه دايماً عندكم عقدة نقص من ناحية المستوى المادي؟ أنا اخترتك إنتِ ومبصيتش لأبوكِ الحلاق ولا لبيتك البسيط، مفروض تشكريني مش تتهميني بقلة الأصل!
نزلت كلماته عليّ كالصاعقة، لكنها لم تكسرني، بل صنعت بداخلي صلابة لم أعرف أنني أمتلكها. قمت من مقعدي، ونظرت إليه باحتقار لم أخفه وقلت أبويا الحلاق ده، برقبك ورقبة عيلتك كلها. الفلوس اللي بتعايرنا بيها مخلتكش بني آدم بيحس. الجوازة دي انتهت يا كرم.
الفصل الثالث قرار الانفصال ونظرة المجتمع
تركت المقهى وخرجت إلى الشارع والدموع تغشي بصري، لكن خطواتي كانت ثابتة. كنت أشعر بحمل ثقيل ينزاح عن صدري، وفي نفس الوقت