عندما تكون الكرامة أغلي من المال

لمحة نيوز

بخوف مرعب من القادم. الانفصال في مجتمعنا، وخاصة بعد سنة من الخطوبة والتحضير، ليس أمراً سهلاً. ستبدأ الألسنة بجلدنا، وسيقال تركها لأنها أقل منه، أو طمعوا فيه فطفش.
عدت إلى البيت، وجدت أبي جالساً يقرأ في المصحف بعد صلاة المغرب. جلست عند قدميه، ووضعت رأسي على ركبتيه وبكيت بحرقة. وضع يده الحانية على رأسي وقال بوقار الأب وحكمته فسختِ الخطوبة يا بنتي؟
رفعت رأسي ونظرت إليه متفاجئة عرفت منين يا بابا؟
ابتسم بحزن وقال أنا خابزك وعارفك يا سالي. إنتِ بنتي اللي ربيتها على الغالي، وعمرك ما ترضي بالهوان. أنا لما شوفت نظرتك امبارح عرفت إنك مش هتقبلي تشتري سعادتك بكرامتي.
بكت أمي وولولت عندما علمت بالخبر يا لهوي يا بنتي! هتقولي للناس إيه؟ خطيبك غني والكل كان بيحسدك عليه! هيقولوا عيب فيكِ!
لكن أبي نهرها بحسم لم أره منه من قبل اسكتي يا أم أحمد! اللي يكسر خاطرنا في بيتنا، بكرا يدوس على بنتنا برة بيتنا. الفلوس بتروح وتيجي، لكن الكرامة لو راحت، مفيش بنك في الدنيا يقدر يرجعها. سالي عملت الصح، وراسنا هتمشي مرفوعة.
بدأت الهواتف ترن، وبدأت شائعات البلدة تنتشر. اتصلت عمتي وخالاتي، والكل يعاتب ويلوم، والبعض يلمح إلى أننا استعجلنا وأن الرجال كلهم هكذا ولسانهم زفر، وعلينا أن نتحمل من أجل المستقبل المضمون. لكنني أغلقت أذنيّ عن كل هذا الضجيج. كان يكفيني رضا أبي وابتسامته التي بدأت تعود إلى وجهه تدريجيًا.
الفصل الرابع رد فعل عائلة كرم
لم يتوقف الأمر عند كرم؛ فعائلته التي كانت ترى في هذا الزواج تنازلاً منها، لم تقبل أن نكون نحن من ننهي العلاقة. بعد يومين من المواجهة، تفاجأنا بوالدة كرم تتصل بأمي وتتحدث بنبرة متعجرفة ومليئة بالتهديد المبطن.
شوفوا يا أم أحمد، إحنا ولاد أصول ولما دخلنا بيتكم دخلناه من الباب. ابننا مغلطش، هو كان بيهزر، وبنتكم عقلها صغير وخربت بيتها بإيدها. إحنا مش هنموت على الجوازة دي، والخطابات على باب كرم بالطوابير، بس إحنا عايزين حاجتنا الذهب والهدايا اللي جابها، ومش عايزين شوشرة.
عندما أخبرتني أمي بالكلام وهي تبكي، أخذت الهاتف منها واتصلت بوالدة كرم مباشرة. قلت لها بكل برود يا طنط، ذهب ابنك وهداياه كلها هتوصلكم لحد باب البيت بكرا الصبح مع أخويا أحمد. وإحنا كمان مش عايزين شوشرة، لأن ببساطة، مقامنا أعلى بكتير من إننا نناسب ناس مبيعرفوش الأصول. وأغلقت الخط.
في المساء، جمعت كل شيء؛ الشبكة الذهب التي كانت تزين علبتها القطيفة، الساعات، العطور، وحتى الهدايا البسيطة التي أحضرها في المناسبات. وضعتها كلها في حقيبة واحدة. تذكرت كيف كنت أفرح بكل قطعة منها، وكيف كنت أظنها دليلاً على الحب، والآن أراها مجرد قيود ذهبية كانت ستكبّل حريتي وكرامتي طوال العمر.
جاء أخي أحمد، وكان يغلي غضباً مما حدث، وأخذ الحقيبة وقال والله العظيم يا سالي، لو مكنش بابا حلف عليا ما أعمل مشاكل، كنت عرفت كرم ده مقامه في وسط البلد. بس يلا، غورة في داهية، والحمد لله إن ربنا كشفه على حقيقته قبل ما نكتب الكتاب.
الفصل الخامس مرحلة التعافي والعودة للذات
مرت الأسابيع الأولى كئيبة وثقيلة. ورغم قناعتي التامة بصحة قراري، إلا أن الفراق له مرارة لا يمكن إنكارها. كنت أستيقظ في الليل وأنا أشعر بغصة في حلقي، وأتساءل هل سأظل وحيدة؟ هل أخطأت في التمسك بكرامتي مضحيةً باستقراري المادي؟
لكن في كل مرة كان يراودني الشك، كنت أنظر إلى أبي وهو ينزل في الفجر متوجهاً إلى عمله بظهر مفرود ووجه مستبشر، فأستمد منه القوة. قررت ألا أستسلم للحزن، وأن أركز في عملي كمعلمة في مدرسة القرية الابتدائية. بدأت أهتم بطلابي بشكل أكبر، وأملأ وقت فراغي بالقراءة ومساعدة أمي في المنزل.
بدأت أرى الثلاجة الجديدة التي كانت سبباً في كل هذا التحول، بنظرة مختلفة تماماً. لم أعد أراها مجرد جهاز كهربائي، بل أصبحت بالنسبة لي رمزاً للتحرر؛ رمزاً للخط الفاصل بين حياة المذلة وحياة العزة. كانت تذكرني كل يوم بأن شرف العمل وكسب الحلال أعلى بكثير من أموال تأتي معها الإهانة.
في أحد الأيام، وأنا عائدة من المدرسة، مررت بدكان أبي. وقفت من بعيد أراقبه دون أن يراني. كان يقص شعر زبون عجوز، ويتحدث معه ويبتسم، والناس يمرون عليه ويسلمون عليه بحب واحترام كبيرين منور يا عم مصطفى، الله يعطيك الصحة يا راجل يا طيب.
انفجرت عيناي بالدموع؛ كيف سمحت لكرم يوماً أن يقلل من شأن هذا الرجل العظيم؟ هذا الحلاق البسيط يمتلك من الحب والاحترام في قلوب الناس ما لا يملكه كرم بكل ملايينه وسياراته. تنفست الصعداء، وشعرت بروح عهدت نفسي عليها تعود إليّ بقوة.
الفصل السادس تغير الأحوال وظهور طارق
مشت الأيام ودارت سنتان كاملتان على تلك الحادثة. طويت صفحة كرم تماماً من حياتي، وعلمت من أخبار البلدة أنه تزوج من فتاة من نفس مستواه المادي، لكن الشائعات كانت تقول إن حياتهما مليئة بالمشاكل والصراعات على المظاهر، ولم يدم زواجهما طويلاً قبل أن ينتهي بالانفصال. لم أمتدح حظي، ولم أشمت، بل حمدت الله الذي نجاني من ذلك المصير المظلم.
في هذه الأثناء، تقدم لخطبتي شاب يدعى طارق. طارق كان يعمل مهندساً في مجلس المدينة، وعائلته عائلة متوسطة الحال ومحترمة جداً.
تم نسخ الرابط