الخالة زينب

لمحة نيوز

كانت الساعة تشير إلى الرابعة فجراً عندما بدأت خيوط الليل الزرقاء تنقشع ببطء عن سماء سوق الأنفوشي القديم. في هذا الوقت من الليل، حيث يغط العالم في نوم عميق، يتنفس السوق أنفاسه الأولى. أصوات عجلات الشاحنات الضخمة المحملة بصناديق الخشب، صياح الحمالين، ورائحة الأرض المبللة بالندى ومياه غسيل الخضار الممتزجة برائحة القهوة المغلية على الفحم.
وسط هذا الصخب المعتاد، كان هناك ركن هادئ، ركن تتربع فيه مصطبة خشبية قديمة، اعتادت أن تتكئ عليها الخالة زينب. امرأة تجاوزت الستين من عمرها، رسم الزمن على وجهها خريطة من التجاعيد التي تحكي قصص الصبر والرضا. عيناها، رغم التعب الكامن فيهما، كانت تشع بطمأنينة غريبة، طمأنينة لا تملكها إلا النفوس التي تصالحت مع الدنيا ولم تعد ترجو منها فوزاً ولا مغنماً.
ترتب الخالة زينب بضاعتها بيدين متشققتين؛ هنا بضع حبات من الطماطم الحمراء التي تنقيها بحذر كأنها تختار لآلئ، وهناك حزم البامية الخضراء النضرة، وإلى جانبها بضع كيلوغرامات من البطاطس والخيار. بضاعتها كانت دائماً بسيطة، لا تملك رأس مال يتيح لها شراء الصناديق الكبيرة، لكنها كانت تملك ما هو أثمن البركة.
صباح الخير يا خالة زينب، جعل الله يومك أخضر كبضاعتك، قالها عم محمود، بائع الشاي التجول وهو يضع أمامها كوباً صغيراً من الشاي الساخن الذي يتصاعد منه البخار.
ابتسمت الخالة زينب ابتسامة أضاءت وجهها المتعب، وقالت بصوت هادئ يحمل بحّة دافئة يسعد صباحك يا ولدي يا محمود، رزقنا ورزقك على الكريم. خذ هذه الحزمتين من الفجل لبيتك، أم محمود تحبه.
حاول محمود الاعتراض ووضع يده في جيبه ليخرج ثمنها، لكنها زجرته بنظرة حانية قائلة عيب يا بني، أترد هديتي؟ الشاي بالظرف، والفجل بالظرف، والقلوب صافية.
لم يكن أحد في السوق يعرف عن حياة الخالة زينب الشخصية الكثير. كانت تعيش في غرفة صغيرة ملحقة ببيت قديم في زقاق خلفي قريب من السوق. غادرت عائلتها الدنيا واحداً تلو الآخر؛ زوجها توفي في شبابه، وأطفالها لم يكتب الله لهم العيش، ولم يتبق لها أخ أو أخت. كانت وحيدة تماماً في كنف هذا العالم الواسع، أو هكذا كان يظن من يرى ظاهر الأمر المادي. لكنها في الحقيقة، اتخذت من أهل السوق كلهم عائلة.
إذا مرضت زوجة بائع، كانت زينب أول من يطبخ لها طعاماً دافئاً ويذهب لعيادتها. وإذا تعثر بائع شاب في دفع إيجار طاولته، كانت تتسلل في المساء وتضع في جيب جلبابه بضعة جنيهات قائلة هذا دين يدير نفسه، لا ترده لي بل رده لغيري إذا فتح الله عليك.
لكن خلف هذه الابتسامة الدائمة وهذا العطاء المستمر، كان هناك سر ثقيل يربض فوق صدرها كالجبل الوجيد. سر لم تكن تبوح به لأحد، بل تبثه فقط لربها في سجدات جوف الليل. كانت الخالة زينب مدينة. نعم، مدينة بمبالغ كبيرة للتجار الكبار في السوق، أولئك الذين يستوردون البضائع بالأطنان. كانت تأخذ البضاعة بالآجل لتبيعها بالقطعة، لكن الأسعار تتقلب، وحسابات الضعفاء لا تمشي دائماً كما تشتهي سفن الأيام. ومع كل موسم يمر، كان الدين يتراكم، وكان همّ الموت على معصية أو بحقوق العباد يؤرق جفنها ويحرمها لذة النوم.
الحلقة الثانية غياب الوشاح الأسود
مرت الأيام، وجاء يوم من أيام شتاء يناير الباردة. هطلت الأمطار بغزارة، واغتسلت شوارع السوق، وخرج الباعة يرتدون معاطفهم الثقيلة، ويغطون بضائعهم بالبلاستيك الشفاف. فتح السوق أبوابه، وبدأت الحركة تدب ببطء.
جلس عم مصطفى، وهو بائع فاكهة مجاور لمصطبة الخالة زينب، ينظر جهة اليمين. كانت المصطبة الخشبية عارية، تبللها حبات المطر. لم يكن هناك الوشاح الأسود المعتاد الذي تلتحف به الخالة زينب، ولم تكن حبات الطماطم مرتبة بعناية، ولا رائحة البامية الزكية تفوح من ركنها.
غريبة.. الخالة زينب لم تتأخر يوماً عن الفجر، حتى لو كانت السماء تمطر ثلجاً، قال مصطفى لنفسه وهو يفرك يديه طلباً للدفء.
مرت الساعات، وانتصف النهار، ومصطبة زينب لا تزال فارغة. بدأ القلق يتسرب إلى قلوب جيرانها في السوق. لم يكن قلقاً عابراً، بل كان إحساساً بوخزة في الصدر. توجه محمود بائع الشاي إلى سعيد، الشاب الذي يعمل حمالاً في السوق والذي يسكن في نفس الزقاق الذي تقطن فيه الخالة زينب.
يا سعيد، اذهب واطرق باب الخالة زينب، لعلها مريضة أو بحاجة لشيء. غيابها اليوم ليس طبيعياً، قال محمود والقلق يكسو نبرات صوته.
انطلق سعيد مسرعاً، يركض بين برك المياه في الأزقة الضيقة حتى وصل إلى البيت القديم. صعد درجات السلم الخشبي الذي يصدر صريراً حزيناً. وقف أمام باب غرفتها، طرق الباب خفيفاً خالة زينب.. أنا سعيد، هل أنت بخير؟.
لا مجيب. سوى صوت الرياح التي تصفر في الشقوق.
طرق ثانية وثالثة، وبدأ صوته يرتفع. تجمعت بعض الجارات من البيوت المجاورة. دفع سعيد الباب بكتفه ليفتح، ودخلوا الغرفة البسيطة.
كانت الغرفة نظيفة بشكل مثير للدهشة، تفوح منها رائحة البخور الخفيف. وعلى فراشها الصغير الممتد على الأرض، كانت الخالة زينب ترقد بسلام. كانت مغطاة بلحافها القديم، ووجهها مستدير نحو القبلة، وعلى شفتيها ابتسامة خفيفة، كأنها نائمة تحلم بجنان النعيم. وضع سعيد يده على جبينها، فإذا به بارد كثلج الشتاء. لقد فاضت روحها الطاهرة إلى بارئها في هدوء التام، دون صراخ، ودون أن تزعج أحداً، كما عاشت تماماً.
وقع الخبر على السوق كالصاعقة. انطفأت الضحكات، وتوقفت النداءات على البضائع. خيم صمت مهيب لم يشهده السوق من قبل. الكل ترك عمله وتوجه نحو بيتها الصغير. بكي الرجال الأشداء الذين هزتهم الأيام، وانتحبت النساء اللواتي فقدن أختاً وأماً حنوناً. تبرع أهل السوق بكل ما يلزم؛ تكفلوا بمصاريف الجنازة، والمقبرة، وكفنها الأبيض. وفي جنازة مهيبة، سار فيها المئات من الكادحين والفقراء، شُيعت الخالة زينب إلى مثواها الأخير، وامتزجت دموع المودعين بحبات المطر التي ظلت تهطل كأن السماء تشاركهم العزاء.
بعد انتهاء الدفن، وقف الناس في سرادق العزاء البسيط الذي أقيم في وسط السوق، يتقبلون العزاء فيها وكأنهم أبناؤها. وبينما كان الحزن يخيم على الوجوه، وقف عم الحاج صالح، رجل مسن من حكماء السوق، واعتلى مصطبة مرتفعة وقال بصوت جهوري شابه البكاء
يا جماعة.. اسمعوني جزاكم الله خيراً. الخالة زينب عاشت بيننا شريفة، وماتت مستورة. لكن كلنا يعلم حال الدنيا، الست كانت تأخذ بضاعة وتبيعها، وما ينفعش تروح تقابل ربنا والحقوق دي عليها. الدين حبس، ونحن أولى الناس بأن نفك قيدها في قبرها. من كان له حق عند زينب فليأتِ، ومن أراد أن يساهم في سداد دينها فليخرج ما تجود به نفسه لله.
لم يكد الحاج صالح ينهي كلمته، حتى بدأت المعجزة الحقيقية تتشكل في قلب سوق الخضار.
الحلقة الثالثة فيض العطاء وجرد الدفاتر
ما إن استقرت كلمات الحاج صالح في الآذان حتى سرت في سرادق العزاء قشعريرة هزت النفوس. لم يكن هناك متردد واحد، فالقلوب التي أترعتها الخالة زينب بطيبتها طوال سنوات كانت تتحرق شوقاً لرد الجميل. انبرى شاب صغير في مقتبل العمر، يعمل أجيراً بيومية بسيطة في نقل الصناديق، وتقدم نحو طاولة الحاج صالح؛ أخرج من جيبه

تم نسخ الرابط