الخالة زينب

لمحة نيوز

حاج صالح؟ أتريدني أن آخذ مالاً خرج من جيبي ونذرت نفسي أن يكون لله ومن أجل روح الخالة زينب؟ والله لا يدخل جيبي منه قرش واحد. أنا أخرجته لله، وما خرج لله لا يعود. حاولوا إقناعه وشرح الموقف له، لكنه أصر وعاند كأنهم يطلبون منه ارتكاب معصية. تركوه وتوجهوا إلى باعة آخرين، لتتكرر المأساة الطريفة نفسها مع كل شخص طرقوا بابه؛ الجميع بلا استثناء كان يرد الرد نفسه، بكلمات مختلفة ولكن بنفس الإصرار والعزيمة النقية.
الحلقة السابعة ثورة الرفض والكرامات المتوالية
تنقل الوفد بين أزقة السوق الضيقة، ومروا على النساء البسيطات اللواتي يبعن الخبز والبيض واللواتي تبرعن بقراريطهن المعدنية الصغيرة. عندما علموا ببراءة ذمة الخالة زينب تهللت وجوههن بالفرح، وزغردت بعضهن كأنها زفة عروس، ولكن حين حاول الحاج صالح إعادة المال لهن، واجه ثورة عارمة من الرفض. قالت إحدى العجائز وهي تدفع يده يا حاج صالح، عيب عليك وأنت رجل حكيم. الست زينب عاشت بيننا تستر العاري وتطعم الجائع، والآن بعد أن أكرمها الله وتكفل بها التجار، تريدنا أن نسترد هديتنا لها؟ هذا المال أصبح ملكاً لروحها، تصرفوا به كيفما شئتم في أبواب الخير، واجعلوه صدقة جارية تنير ظلمة قبرها كما أنارت دنيانا بطيبتها.
حتى الزبائن العابرين الذين تبرعوا حين سمعوا بالقصة وتركوا أرقام هواتفهم أو كانوا متواجدين في السوق، عندما تم الاتصال بهم أو مقابلتهم، رفضوا استلام مبالغهم بشكل قاطع. أحد المهندسين الذين كانوا يشترون من الخالة زينب دائماً قال لهم عبر الهاتف يا جماعة، هذا المال خرج بنية الصدقة، والصدقة لا تُسترد. اجعلوا هذا المبلغ نواة لعمل خير دائم باسمها، لعل الله يرحمنا برحمته كما رحم هذه السيدة الصالحة.
أمام هذا الإجماع العجيب وهذا الرفض الجماعي غير المألوف، وجد الحاج صالح نفسه يعود مجدداً إلى نقطة البداية، ومعه حقيبة المال التي لم ينقص منها درهم واحد، بل إن بعض الناس عندما علموا بأن المال سيتحول إلى صدقة جارية، أصروا على زيادة تبرعاتهم ودفع مبالغ إضافية ليتضاعف حجم المبلغ ويتحول الحلم البسيط بسداد دين إلى مشروع كبير يحمل اسماً من نور.
الحلقة الثامنة مجلس الشورى وبناء الأثر
في مساء ذلك اليوم المشهود، تداعى كبار السوق وباعته لعقد اجتماع طارئ في ساحة السوق الواسعة تحت الضوء الخافت للمصابيح المعلقة. جلس الجميع في حلقة كبيرة، والحقيبة القماشية تتوسطهم كأنها شاهد على معجزة حية حدثت بين ظهرانيهم. وقف الحاج صالح وتحدث بنبرة مليئة بالخشوع يا أهل السوق، يا أصحاب المروءة والشهامة.. الأموال التي بين أيدينا الآن لم تعد ملكاً لأحد منا، لقد أصبحت مالاً لله، صدقة وزكاة جارية عن روح فقيدتنا الخالة زينب. ونحن هنا اليوم لنتشاور في أفضل الطرق لنفقة هذا المال بما يضمن أن يظل رصيدها من الحسنات جارياً لا ينقطع حتى قيام الساعة.
تعددت الآراء واختلفت المقترحات وسط أجواء سادها الود والرغبة الصادقة في تقديم أفضل ما يمكن. اقترح أحدهم توزيع المال كعطايا نقدية مباشرة على فقراء الحي، واقترح آخر شراء كميات ضخمة من المواد الغذائية وتوزيعها ككراتين خيرية باسمها. لكن شاباً مهندساً من أبناء السوق، كان قد تخرج حديثاً من كلية الهندسة ويعمل مع والده في تجارة الخضار، طلب الكلمة وقال يا جماعة، العطايا المادية تنتهي وتفنى بمجرد استهلاكها، لكن الصدقة الجارية الحقيقية هي التي تدوم وتقدم نفعاً مستمراً. كلنا يعلم أن هذا السوق والحي الفقير المجاور له يعانيان من أزمة حادة في توفير مياه الشرب النظيفة، والناس يمشون مسافات طويلة للحصول على ماء نقي. ما رأيكم لو استخدمنا هذا المال لبناء مجمع صغير يحوي بئراً ارتوازية حديثة، ومحطة تنقية مياه صغيرة، ملحق بها مبردات ماء ضخمة في قلب السوق ليستفيد منها الباعة والمارة والفقراء مجاناً، ونطلق عليها مجمع الخالة زينب الخيري؟.
قوبل هذا الاقتراح بعاصفة من التصفيق والاستحسان من جميع الحاضرين. هدت الفكرة النفوس وأثلجت الصدور، فالماء هو أصل الحياة وأفضل الصدقات عند الله سقي الماء. وفي تلك الليلة، تم تشكيل لجنة من الحاج صالح والمعلم عبد الله والمهندس الشاب للإشراف على تنفيذ المشروع فوراً، وتبرع المعلم عبد الله بقطعة أرض صغيرة مملوكة له تقع على أطراف السوق مباشرة لتكون مقراً لهذا المشروع دون أن يتقاضى عنها أي مقابل.
الحلقة التاسعة مجمع الخالة زينب الخيري
ولم تمر سوى أيام قليلة حتى تحولت ساحة الأرض الصغيرة إلى خيمة عمل تعج بالنشاط والحركة. بادر عمال البناء والسباكون والحفارون من أبناء الحي بتقديم خدماتهم وخبراتهم بالمجان، رافضين أخذ أي أجور عن عملهم في هذا المشروع المبارك. كانت المعدات تحفر في باطن الأرض بحثاً عن الماء العذب، والأيدي تبني الجدران وتضع اللمسات الأولى للمجمع الخيري وسط دعوات وتكبيرات تملأ الفضاء.
في غضون أسابيع قليلة، بفضل الحماس المنقطع النظير والبركة الإلهية التي أحاطت بكل خطوة، ارتفع البناء الأبيض الجميل وتزينت واجهته بلوحة رخامية حُفرت عليها عبارة بخط عربي أنيق مجمع الخالة زينب الخيري صدقة جارية سقي ماء. تم تركيب أحدث أجهزة التنقية والفلاتر، واصطفت مبردات المياه الاستيل الحديثة لتقدم الماء البارد النقي للمارة. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إن المبلغ المتبقي كان كافياً لشراء صيدلية منزلية مصغرة داخل المجمع تحتوي على الأدوية الضرورية والمستلزمات الطبية الأساسية لعلاج الحالات الطارئة لفقراء السوق والحي مجاناً.
وجاء يوم الافتتاح، يوم مشهود في تاريخ سوق الأنفوشي. تجمعت الحشود من كل مكان، وحضر كبار التجار والباعة والنساء والأطفال. أدار الحاج صالح المحبس الأول، فاندفع الماء العذب غزيراً ونقياً كالبلور وسط تهليلات الحاضرين ودموع الفرح التي انهمرت من العيون. تقدم طفل صغير وشرب أول كوب من الماء، ثم نظر إلى اللوحة الرخامية وقال ببراءة رحمك الله يا خالة زينب، لقد كنت تسقيننا الحنان في حياتك، والآن تسقيننا الماء النقي بعد موتك. كان المشهد مهيباً ومؤثراً يعكس كيف يمكن لامرأة واحدة بسيطة لا تملك من حطام الدنيا شيئاً أن تترك وراءها إرثاً يهز القلوب ويغير حياة مجتمع بأكمله.
الحلقة العاشرة رصيد القلوب الباقي والختام
مرت السنوات على رحيل الخالة زينب، وتعاقبت الفصول وتبدلت الوجوه في سوق الخضار، لكن ذكراها بقيت حية نابضة كأنها غادرت بالأمس فقط. أصبح مجمع الخالة زينب الخيري هو القلب النابض للسوق والملاذ الآمن لكل عطشان وعابر سبيل ومحتاج للدواء. الباعة الجدد الذين لم يعاصروها ولم يروها يوماً، يتعلمون قصتها بمجرد دخولهم السوق، لتصبح سيرتها بمثابة الدستور غير المكتوب للمعاملة الطيبة، والرحمة، والتكافل بين الناس.
كلما مر بائع أمام مصطبتها القديمة، التي بقيت خالية لفترة طويلة تخليداً لذكراها قبل أن يتم تحويل مكانها بقرار من أهل السوق إلى رصيف دائم لتوزيع المساعدات والصدقات، يترحم عليها ويذكر كلماتها الدافئة. وتلك الغرفة الصغيرة التي عاشت فيها وحيدة، تم استئجارها من قبل أهل السوق وتحويلها إلى دار صغيرة لتحفيظ القرآن الكريم للأطفال اليتامى، ليتداخل صوت تلاوة الآيات العطرة مع نسائم الفجر، ويزيد من رصيد حسنات تلك العجوز المستورة في
قبرها.
تثبت لنا قصة الخالة زينب أن الإنسان في هذه الدنيا العابرة لا يرحل بما جمعه في خزائنه أو ما ملكه من عقارات وأموال، بل يرحل بما زرعه في قلوب المحيطين به من محبة وصنائع معروف. رصيد البنوك يفنى ويزول، والأسماء الكبيرة قد تُنسى مع تقادم الأيام، لكن رصيد القلوب وبصمة المعاملة الطيبة والكلمة الحانية تظل محفورة في ذاكرة الأرض والسماء، ينميها الله لصاحبها ويسخر له من عباده من يدعو له ويستغفر له في أوقات لم يكن يتوقعها.
ماتت الخالة زينب وهي تحمل هماً كالجبل من ديون الدنيا، وخوفاً من لقاء الله بحقوق العباد، ولكن لأنها عاشت بقلب نقي يدير الخير ويسعى في ستر الناس، تولي الله سبحانه وتعالى تدبير أمرها بعد وفاتها بطريقة أعجزت عقول البشر؛ سدد عنها ديونها، ومزق صكوكها، وحول خوفها إلى أمن، وجعل لها صدقة جارية وسيرة عطرة تتردد على الألسنة جيل بعد جيل. إنها عدالة السماء وكرم رب العالمين الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً. نسأل الله العلي القدير أن يرحم الخالة زينب برحمته الواسعة، وأن يسكنها فسيح جناته، وأن يحسن ختامنا جميعاً، ويجعلنا من أصحاب الأثر الطيب والذكر الحسن في الدنيا والآخرة.

تم نسخ الرابط