الخالة زينب
المحتويات
بضعة جنيهاً مهروسة، كانت كل ما يملك من أجرة يومه الشاق، ووضعها وهو يمسح دمعة جرت على خده قائلاً هذه من أجل الخالة زينب، كانت تطعمني حين أجوّع نفسي لتوفر لقمة لأمي.
كانت تلك الجنيهات البسيطة بمثابة الشرارة التي أشعلت ثورة من العطاء اللامتناهي. تدافع الباعة، من يملك الكثير ومن لا يملك قوت غده. تقدم عم مصطفى بائع الفاكهة وأخرج ورقة نقدية كبيرة، ثم تلاه بائعو الخضار، وحمالو الأكياس، وحتى المارة والزبائن الذين اعتادوا الشراء منها وقفوا في الطابور ليشاركوا في هذه الملحمة. كان مشهداً تقشعر له الأبدان؛ صندوق خشبي قديم تحول في دقائق معدودة إلى خزنة تتدفق إليها الأموال من كل حدب وصوب، محملة بدعوات صادقة بالرحمة والمغفرة.
جلس الحاج صالح ومعه عم محمود وعم مصطفى بعد انفضاض سامر العزاء، وبدأوا يفرزون الأوراق النقدية ويحصونها بعناية. كانت الأصابع ترتجف وهي تجمع الجنيهات، والآمال معقودة على أن يكفي هذا المبلغ لسداد ما على الست الراحلة. وبعد ساعة من العد والتدقيق، نظر الحاج صالح إلى رفاقه بملامح سادها الوجوم وقال بصوت منخفض يا جماعة، المبلغ الذي جمعناه محترم ومبارك، لكنه للأسف لن يغطي إلا جزءاً من الديون. الخالة زينب كانت تأخذ بضائع ثقيلة في المواسم الأخيرة، والكساد ضرب السوق، وإجمالي دفاتر كبار التجار يحمل رقماً كبيراً جداً يفوق هذا الصندوق بمرات.
ساد صمت ثقيل في الغرفة الصغيرة التي اجتمعوا فيها. تنهد عم مصطفى وقال وعيناه تلمعان بالإصرار يا حاج صالح، نحن فعلنا ما بوسعنا، والنية عند الله معلومة. دعنا نتحرك بما معنا ونذهب إلى كبار التجار الذين كانت تتعامل معهم الخالة زينب. نبدأ بأكبرهم ديناً، ندفع لهم ما تيسر ونرجو منهم أن يؤجلوا الباقي أو يستخلفوا الله فيه. الست ماتت ولا تركة لها سوى جدران غرفتها، والجميع يعلم طهر يدها. وافق الجميع على هذا الرأي، وحملوا الحقيبة القماشية التي تحوي المال، وانطلقوا بخطى مثقلة بالهم نحو مكاتب كبار تجار الجملة، متوقعين مواجهات صعبة ونقاشات طويلة حول الحسابات والأرقام، لكن الأقدار كانت تخبئ لهم وراء أبواب تلك المكاتب ما لم يخطر لهم على بال.
الحلقة الرابعة أبواب التجار وقلوب من نور
كانت الوجهة الأولى هي مكتب المعلم عبد الله، أكبر تاجر جملة للطماطم في السوق بأكمله، رجل مهيب الجانب، حاد الملامح، معروف بصرامته الشديدة في الحسابات ولا يجرؤ أحد على التأخر في الدفع له. دخلوا عليه مكاتبه الفاخرة وسط أكوام الصناديق، فرحب بهم وأجلسهم مسستغرباً زيارة هذا الوفد من باعة التجزئة في مثل هذا الوقت.
تنحنح الحاج صالح، وأخرج دفتراً صغيراً وقال يا معلم عبد الله، نحن جئنا بخصوص ديون الخالة زينب التي توفاها الله بالأمس. نعلم أن لها عندك حساباً قديماً وباقي ثمن بضائع كثيرة. لقد جمعنا نحن أهل السوق هذا المبلغ كجزء من دينها، ونريد أن نسلمك إياه ونطلب منك جدولة الباقي حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً. نظر المعلم عبد الله إلى الحقيبة القماشية، ثم نظر إلى الوجوه المتعبة والمخلصة الواقفة أمامه. صمت لبرهة طويلة سادها ترقب قاتل، ثم تنهد تنهيدة عميقة امتدت من أعماق صدره، وارتسمت على وجهه الصارم ابتسامة دافئة لم يعهدوها فيه من قبل.
دفع المعلم عبد الله الحقيبة بيده بلطف قائلاً يا حاج صالح، ويا رجال السوق الشرفاء.. خذوا أموالكم واخرجوا بها من مكتبي. الخالة زينب لم تكن مجرد بائعة عندي؛ في العام الماضي عندما تعرضت لتلك الأزمة المالية الكبيرة وكاد بيتي يتخرب، جاءتني هذه الست العجوز وأخرجت من منديلها صرة بها بضعة جنيهات وقالت لي خذها يا بني فك بها كربك ولا تفكر في بضاعتي. امرأة بهذا النبل لا آخذ من دموعكم ثمن دينها. اذهبوا، فأنا مسامح لها في كل قرش، بل إن حسابها عندي أصبح صفراً منذ أن علم ربي بموتها، ووالله لو كان الأمر بيدي لدفعت معكم. تملكت الدهشة الشديدة الوفد، وتبادلوا النظرات وعيونهم مغرورقة بالدموع، ودعوا للرجل بالبركة والرزق الواسع، ثم انطلقوا إلى التاجر الثاني وهم لا يكادون يصدقون ما حدث.
الحلقة الخامسة تساقط الصكوك وانكشاف السر
كان التاجر الثاني هو الحاج مرسي، بائع البطاطس والبصل بالجملة، وهو رجل عُرف بين الناس بحبه الشديد للمال وحرصه على كل صغيرة وكبيرة. عندما دخلوا عليه وطرحوا عليه الأمر نفسه، وفتحوا الحقيبة ليروه جديتهم، فاجأهم برد فعل لم يكن أقل ذهولاً؛ بكى الرجل حتى ابتلت لحيته البيضاء وقال أنا آخذ مالاً من أجل دين الخالة زينب؟ أنتم لا تعرفون ما كانت تفعله! كانت تأتي إليّ في نهاية كل شهر، ليس لتدفع حسابها، بل لتسألني عن العائلات المستورة التي تأخذ مني بضائع بالآجل ولا تستطيع السداد، وكانت تدفع لي من قوتها الخاص لتسدد عنهم دون أن يعلموا. حسابها عندي مسامح فيه كاملاً، بل إنني أشعر بالخجل من نفسي أمام كرمها.
وهكذا، تحولت الرحلة التي ظنوا أنها ستكون شاقة ومليئة بالاستجداء، إلى موكب من النور والرحمة والتسابق في التسامح. مروا على التاجر الثالث والرابع والخامس، وكلما نطقوا باسم الخالة زينب، كانت الدفاتر تُغلق والصكوك تُمزق. كان بعض التجار يرفض استلام أي شيء ويجهش بالبكاء، وبعضهم الآخر أخذ جزءاً رمزياً تطييباً لخاطر الوفد وسامح في المبالغ الضخمة المتبقية.
ومع غروب شمس ذلك اليوم، وجد الحاج صالح وصاحباه أنفسهم يقفون في وسط السوق، والدفاتر كلها قد شُطبت، ولم يعد على الخالة زينب دين واحد في الأرض. لكن المفاجأة الكبرى التي جعلت عقولهم تطير من مكانها، هي أنهم عندما فتحوا الحقيبة القماشية التي يحملونها، وجدوا أن المبلغ الذي جمعوه لم ينقص منه إلا النزر اليسير؛ بل إن الأموال كانت كأنها تباركت وزادت، وأصبحوا يملكون ثروة صغيرة متبقية في أيديهم، لتبدأ فصول معجزة أخرى لم تكن في الحسبان.
الحلقة السادسة حيرة الصندوق والقرار العجيب
وقف الرجال الثلاثة في حيرة من أمرهم يتأملون الحقيبة الممتلئة بالأوراق النقدية. الديون قُضيت بالكامل، والذمة برئت، والست العجوز نامت في قبرها حرة طليقة من حقوق العباد بفضل الستر الإلهي والمعدن الأصيل لرجال السوق. ماذا نفعل بهذه الأموال الآن يا حاج صالح؟ سأل عم محمود وهو يشير إلى الحقيبة، المنطق يقول إننا يجب أن نرد لكل شخص ما تبرع به، فالغرض الذي جمعنا من أجله المال قد انتهى وزال.
أومأ الحاج صالح برأسه موافقاً وقال هذا هو عين الحق والشرع يا محمود. المال عاد لأصحابه لأن الديون سقطت كرامةً لصاحبتها. دعنا نمر على الناس واحداً واحداً ونعيد لهم أماناتهم ونبشرهم بأن الخالة زينب أصبحت في حلّ من كل دين. وفعلاً، بدأوا جولتهم العكسية في السوق؛ ذهبوا إلى بائع الخضار البسيط الذي ساهم بجزء من قوته، وبسط الحاج صالح يده بالمال قائلاً خذ مالك يا بني، أبشرك بأن التجار سامحوا الخالة زينب بالكامل ولم نبرم صفقة بمالكم، فالدين قضي بكرم الله.
لكن الشاب تراجع إلى الخلف ونفض يديه بحزم، وارتسمت على وجهه علامات التعجب والرفض وقال ماذا تقول يا
متابعة القراءة