مؤامرة بنتي وزوجها ل انجي الخطيب
عنيا اللي لسه بتلمع بذكاء حاد، وشي اللي محفور فيه تجارب سنين في الطب الشرعي. أنا مش ست عجوزة بتنتظر الموت، أنا منى، الخبيرة اللي علمت أجيال إزاي يقروا لغة الجثث والسموم، وأنا اللي النهاردة قدرت أقرأ لغة البشر الغدارين قبل ما يخلصوا عليا.
طفت النور، واتمددت على السرير، ولأول مرة من شهور طويلة، غصب عني وعن كل اللي حصل، نمت نومة عميقة.. نومة اللي عارف إن بكرا مش بتاع حد غيره، وإن التوكيل الوحيد اللي فاضل في حياتي هو توكيل البقاء، بقائي أنا، وبقائي قوية، حتى لو كان التمن هو أغلى الناس.
........
صحيت تاني يوم الصبح على صوت أشعة الشمس وهي بتخبط في قزاز الشباك، هدوء الفيلا مكنش مخيف زي ما كنت متخيلة، كان هدوء حد بيبدأ صفحة بيضا من غير سطور مسمومة. قمت وقفت قدام المرايا، شفت الست اللي ورا انعكاسي، لقيتها أقوى بكتير من اللي كانت مكسورة من كام يوم. لبست لبس رياضي، ونزلت الجنينة أتمشى، كنت محتاجة أتنفس هواء نضيف، هواء مفيش فيه ريحة خيانة ولا طمع.
تليفوني رن، كان المحامي بتاعي، أستاذ عاصم، صوته كان مليان توتر يا مدام منى، أنا عرفت اللي حصل، أنا مش عارف أقولك إيه.. العيلة دي كانت بتخطط لحاجات أكبر بكتير مما تتخيلي. سكت لحظة وكمل بصوت أوطى في ملفات في الخزنة عندك، هي اللي كانت السبب في كل ده، هما مكنوش عايزين الفلوس بس، هما كانوا عايزين يمحوا أدلة تورط طارق في قضايا فساد قديمة، وكانوا فاكرين إنك مأرشفة كل ده ومستنياه.
ضحكت بصوت عالي خلّى العصافير اللي على الشجر تطير، قلتله عاصم، أنا مش بس خبيرة سموم، أنا خبيرة في حماية اللي يخصني.. الملفات دي مش في البيت، الملفات دي في خزنة تانية خالص، بعيدة عن إيد أي حد. قفل معاه وأنا حاسة بانتصار حقيقي، مش بس إني نجيت، لكن إني كنت سابقة بخطوات.
الساعة بقت 10 الصبح، قررت أبدأ روتيني الجديد. اتصلت بشركة تجديدات، طلبت منهم يغيروا كل حاجة في الفيلا، يغيروا شكل الأوض، يشيلوا الأثاث اللي كان بيذكرني بيهم، عايزة مكان جديد، روح جديدة. قعدت على السفرة اللي كانوا بيخططوا عليها لقتلي، وطلبت قهوة، وشربتها ببطء، مستمتعة بكل رشفة، لأني عارفة إن طارق دلوقتي قاعد في زنزانة ضيقة، بيواجه عواقب طمعه، ونورا.. نورا بتواجه الحقيقة اللي حاولت تهرب منها.
جالي تليفون من ريهام، طلبت مني أروح النيابة عشان أتمم الأقوال. لبست أشيك طقم عندي، رشت عطري المفضل، وبصيت لنفسي نظرة أخيرة. وأنا خارجة، بصيت للبيت نظرة وداع، مش وداع حزن، لكن وداع عمر فات.
في النيابة، شفتهم من ورا الإزاز، طارق كان باهت، ونورا كانت بتعيط بس مفيش دموع في عينيها. لما شافوني، عيونهم اتوسعت من الصدمة، كأنهم مش مصدقين إني واقفة قدامهم بكامل أناقتي وقوتي، لا أنا خرفت ولا أنا عجزت. دخلت مكتب وكيل النيابة، بدأت أدي شهادتي بكل دقة، كل معلومة كانت مسمار في نعش مخططهم.
خرجت من النيابة والشمس كانت في عزها، حسيت إن القاهرة النهاردة منورة بطريقة مختلفة. ركبت عربيتي، وشغلت أغنية قديمة كانت بتحبها أمي، وسقت في شوارع الزمالك، مش رايحة مكان محدد، بس عارفة إني ماشية في الطريق الصح. الحكاية خلصت، والسم طلع من الكاس، بس الأهم.. إنه طلع من حياتي للأبد.
.......
بعد ما عدى أسبوع، كنت واقفة في المطار، ماسكة شنطة سفر صغيرة وجواز سفر متجدد. الهواء كان بارد ومنعش، وريحة السفر كانت بتغسل باقي ذرات التوتر اللي في صدري. ريهام كانت واقفة جنبي، بتبصلي بابتسامة فخر يا منى، أنا لسه مش مصدقة إنك ماشية، الفيلا في الزمالك هتبقى هادية جداً عليكي.
بصيتلها وضحكت من قلبي الهدوء ده اللي كنت محتاجاه يا ريهام، الفيلا دي بقت قفص ذكريات، وأنا مبقتش الطير اللي بيتحبس في قفص.. أنا قررت أروح أعيش في أسبانيا، في بيت صغير جنب البحر، أرسم، أقرأ، وأنسى إني يوم من الأيام كنت مدام منى اللي الكل بيحاول ينهش في عمرها.
ريهام حضنتني وقالت خدي بالك من نفسك، والوحوش اللي زي طارق موجودين في كل مكان، بس مفيش منهم كتير عندهم ذكائك.
مشيت في الممر الموصل للطيارة، وكل خطوة كانت بتبعدني أكتر عن الكابوس. وأنا بطلع الطيارة، افتكرت نظرة نورا الأخيرة ليا في النيابة، نظرة الندم المتأخر، حسيت بشفقة للحظة، بس مسحتها بكلمة اللي يبيع أهله عشان طمع، ميستاهلش غير العزلة.
قعدت على الكرسي، وفتحت كتاب كان في إيدي، وسمعت صوت المضيفة وهي بتقول جاهزين للإقلاع. الطيارة بدأت تتحرك، وفجأة، لقيت إيدي بتترعش شوية.. مش من الخوف، لأ، من الحرية. بصيت من الشباك على بيوت القاهرة اللي بدأت تصغر، وعلى الزمالك اللي بقت نقطة بعيدة، وهمست لنفسي مش عارفة بكرة مخبي إيه، بس لأول مرة في حياتي، أنا مستعدة أواجهه من غير ما حد يملي عليا إيه اللي لازم أشربه، ولا إيه اللي لازم أصدقه.
غمضت عيني والطيارة بتعلى، وسرحت في بحر أسبانيا اللي مستنيني، هناك مفيش سم، مفيش توكيلات، ومفيش عيلة بتستنى موتي. هناك.. في العالم الجديد ده، أنا لسه منى، بس منى اللي قررت أخيراً.. تعيش لنفسها.
تمت
حكايات انجى الخطيب