ثمانية آلاف دولار كل شهر

لمحة نيوز

ابني نسي أبوه
سكتنا
وبعدين قال
أنا عايز أصلح كل حاجة
قلت
إنت مش محتاج تصلح كل حاجة
قال
ليه
قلت
لأن أهم حاجة لسه موجودة
قال
إيه
قلت
إنك ابني
قعد جنبي
وقال
ليه مخبيت عليا كل ده
قلت
لأنني كنت خايف
قال
من رانيا
قلت
لا
من نفسي
قال
إزاي
قلت
كنت خايف أصدق إن الست اللي دخلت بيتك ممكن تعمل كده
وسكت
وبعدين قلت له
أبوك طول عمره كان يراجع حسابات الناس
لكن أصعب حساب راجعته كان حساب الثقة
بعد فترة طويلة انتهت القضية بإدانة المتورطين وفق ما ثبت أمام القضاء واسترد جزء كبير من الأموال وتوقفت التصرفات غير القانونية في ممتلكاتي
أما رانيا
فماعدتش أشوفها
وغيث انفصل عنها
لكن أكتر حاجة أثرت فيا حصلت بعد شهور
كنت قاعد في البيت
سمعت خبط على الباب
فتحت
لقيت غيث
في إيده كيس أكل
قلت
إيه ده
قال
جاي أتعشى معاك
قلت
ومراتك
سكت
قلت
آسف
قال
مفيش مرات
دخل
حط الأكل على الترابيزة
وبعدين فتح التلاجة
ضحك
وقال
لسه بتحب الجبنة القديمة
قلت
وأنت لسه بتحب تفتح التلاجة من غير ما تستأذن
ضحكنا
وفي اللحظة دي حسيت إن الشقة اللي كانت شاهدة على خوفي وبردي ووحدتي رجعت بيت تاني
مش عشان التلاجة مليانة
ولا عشان الفلوس رجعت
عشان ابني رجع
بعدها بأيام لقيت ظرف صغير تحت باب الشقة
فتحته
كان جواه ورقة واحدة
مكتوب عليها
لو كنت عايز تعرف مين بدأ كل ده فعلاً اقرأ آخر صفحة من ملف نوفا تيك
قعدت على الكرسي
وبصيت للورقة
قلبي دق
اتصلت بعادل
قلت
عادل
قال
نعم
قلت
فاكر ملف نوفا تيك
قال
أيوه
قلت
حد بعتلي رسالة بيقول إن فيه آخر صفحة
قال
ماتفتحهاش لوحدك
قلت
ليه
قال
لأن الملف ده فيه حاجة إحنا ماشفناهاش
قلت
إيه
قال
فيه اسم
قلت
اسم مين
قال
اسم الشخص اللي أسس الشركة من البداية
سكت
قلت
مين
قال
غيث
قلت
غيث
قال
أيوه
قفلت التليفون
فضلت باصص للورقة
ولأول مرة منذ شهور رجع الشك يدخل قلبي
لكن قبل ما أفتح الملف
سمعت المفتاح بيتحرك في باب الشقة
الباب اتفتح
غيث دخل
بص لي
وبص للملف في إيدي
وشه اتغير
قال
بابا
قلت
إيه
قال
إنت لقيت الملف
قلت
أيوه
قال
مين بعتهولك
قلت
مش مهم
قرب مني
وقال
بابا لازم تسمعني قبل ما تفتح الصفحة الأخيرة
قلت
ليه
قعد قدامي
وقال
لأن اللي فيها ممكن يغير كل حاجة
قلت
إنت كنت تعرف
سكت
قلت
غيث
بص لي
وقال
أنا كنت عارف إن فيه شركة باسم نوفا تيك
قلت
وبعدين
قال
لكن أنا ماكنتش عارف مين بيديرها فعلاً
قلت
ومين
سكت
طويلاً
وبعدين قال
الشخص اللي أسسها كان اسمه موجود في كل الملفات
قلت
مين
غيث قرب مني
وقال
أبويا
سكت
قلت
إيه
قال
الشركة اتأسست باسمك من قبل ما أبدأ شركتي
بصيت له
مش فاهم
قال
لما كنت صغير وماما كانت تعبانة وأنت كنت بتشتغل كتير كان فيه حد استغل بياناتك القديمة
قلت
مين
قال
مش عارف
قلت
لا
أنت عارف
قال
أنا عرفت متأخر
قلت
مين
قال
سامر
سكت
قلت
سامر هو اللي بدأ كل ده
قال
مش لوحده
قلت
مين معاه
غيث بص لي
وقال
شخص من عيلتنا
حسيت إن قلبي وقف
قلت
مين
لكنه قبل ما يجاوب
وصلت رسالة على تليفونه
قرأها
وشه اتغير
وقال
بابا
قلت
نعم
قال
رانيا بعتت رسالة
قلت
إيه فيها
ناولني التليفون
وكان مكتوب
إبراهيم
لو عايز تعرف الحقيقة كلها
اسأل غيث
ليه بدأ كل حاجة
رفعت عيني لابني
هو كان بيبص للأرض
قلت
غيث
ليه
رفع عينه
والدموع في عينه
وقال
لأنني كنت فاكر إن اللي بعمله هو الطريقة الوحيدة عشان أحميك
سكت
قلت
تحميني من مين
قال
من رجل كان بيدور عليك من أكتر من عشرين سنة
قلت
مين الرجل ده
غيث قال
الشخص اللي كان سبب في اختفاء كل أموال أمي زمان
وقتها فهمت إن قصة الثمانية آلاف دولار لم تكن بداية الحكاية
كانت مجرد الباب
والسر الحقيقي كان أقدم بكتير
وأخطر بكتير
لكن المرة دي لم أرتبك
قفلت الملف
وقلت لغيث
من النهارده مفيش أسرار بينا
لو فيه واحد مستخبي ورا كل ده هنطلعه
قال
حتى لو الحقيقة هتوجعك
قلت
أنا راجل عندي تلاتة وسبعين سنة
اتوجعت كتير
بس أكتر حاجة بتوجعني إن ابني يخاف يحكيلي الحقيقة
مديت إيدي له
مسكها
وقلت
تعالى
نبدأ من الأول
وفي الليلة دي فتحنا كل الملفات
ورقة وراء ورقة
حساب وراء حساب
اسم وراء اسم
ومع أول خيط ظهر قدامنا
عرفنا إن الشخص اللي كان بيدير الشبكة كلها لم يكن رانيا
ولا سامر
ولا حتى أخو رانيا
كان شخصاً كنت أعرفه أنا شخصياً
شخصاً دخل بيتي قبل سنوات
وأكل على نفس مائدتي
وشرب الشاي من نفس الكوباية
وأنا طوال السنين كنت فاكره صديقاً
وفي آخر صفحة من الملف
كان اسمه مكتوباً بخط واضح
وتحته جملة واحدة
هو الذي بدأ كل شيء
بصيت للاسم
وغيث بص لي
وقلت
يبقى دلوقتي
الحساب الحقيقي بدأ
ومن يومها عرفت إن الشقة الصغيرة في الظاهر والتلاجة الفاضية وعلبة الشوربة الباردة لم تكن أبداً قصة رجل عجوز اتسرقت منه فلوسه
كانت قصة أب اتسرق منه إحساسه بالأمان
وابن اكتشف أن نجاحه كله كان مهدداً من الداخل
وامرأة ظنت أن الرجل العجوز الذي أمامها سهل كسره
لكنها نسيت أهم حاجة
إن بعض الناس كل ما تكبر أجسامهم
يزيد وزن ذاكرتهم
وكل ما تمر عليهم السنين
تصغر أمامهم الأكاذيب
وأنا إبراهيم
المحاسب القديم
الرجل اللي قضى عمره يطارد الأرقام الضائعة
كنت لسه قدامي آخر حساب
وأصعب حساب
وأخطر حساب
حساب عمره أكتر من عشرين سنة
وفي آخره
كان لازم أعرف
مين سرق فلوس أمي
ومين سرق ثقة ابني
ومين حاول يسرق شقتي
ومين حط تمن تلاف دولار كل شهر في حسابي
عشان يخفي جريمة أكبر
والأهم من كل ده
ليه اختاروني أنا بالذات
لكن وأنا بقلب الصفحة الأخيرة
سمعت غيث بيقول بصوت مكسور
بابا
ماتكملش
بصيت له
وقلت
ليه
قال
لأن الاسم اللي في الصفحة
هو اسم جدك
وقتها سكت كل شيء
الثلاجة
الساعة
صوت الشارع
حتى أنفاسي
لأن أبويا كان متوفي من تلاتين سنة
ومع ذلك
اسمه كان مكتوباً أمامي
وتحته تاريخ
بعد وفاته بسنين
وهنا فقط فهمت
إن اللي كنا بنطاردهم
لم يكونوا بيهربوا مننا
كانوا بيقودونا
خطوة خطوة
لحد ما نوصل للحقيقة اللي هم عايزيننا نوصل لها
والحقيقة دي
ماكانتش عن رانيا
ولا سامر
ولا غيث
كانت عن حياتي أنا
من أول يوم دخلت فيه شركة وسط البلد
من أول ملف مسكته
ومن أول توقيع حطيته على ورقة
ومن أول جنيه اختفى قدامي
ومن يومها
كنت جزءاً من القصة
من غير ما أعرف
وفي صباح اليوم التالي
لبست هدومي
مسكت الملف
وقلت لغيث
يلا
نروح للمكان اللي بدأت فيه الحكاية
مكتب الشركة القديمة
وسط البلد
المكان اللي قضيت فيه اتنين وأربعين سنة من عمري
لأنني كنت عارف
إن آخر سر
مش موجود في البنك
ولا في حساب الاستثمار
ولا في شقة الظاهر
آخر سر
كان مدفوناً في أرشيف الشركة
في ملف قديم
أنا نفسي اللي كتبته بإيدي
ومن هنا
بدأت آخر وأخطر مرحلة في الحكاية
مرحلة اكتشفت فيها إن أحياناً
السرقة الحقيقية مش إن حد ياخد فلوسك
السرقة الحقيقية
إن حد يسرق منك سنين عمرك
ويخليك طول الوقت فاكر إنك عشتها بالطريقة اللي أنت اخترتها
لحد ما تكتشف
إن حد تاني
كان بيكتب قصتك
من وراك.

تم نسخ الرابط