رجع من ألمانيا
المحتويات
حد يقدر يمنعه من الكلام مع الشخص اللي بيحبه وبعد مرور عام كانت ليان بتجري في البيت وعمر بيجري وراها ومريم بتضحك من بعيد ونوال كانت قاعدة على الكنبة وهي بتلعب مع حفيدتها بعد ما اتعلمت حدودها ورانيا وكريم بدأوا حياتهم من جديد بعد ما سددوا ما عليهم وابتعدوا عن أي حسابات مالية تخص عمر ومريم وفي ليلة هادئة دخل عمر المطبخ ولقى مريم بتحضر طبق نودلز فقال لها بجد؟ قالت له أيوه بس المرة دي سخنة فضحك وقال لها الحمد لله اتعلمنا حاجة فقالت له إيه؟ فقال إن النودلز الباردة أخطر من أي أزمة فضحكت وقالت له وإن الزوج اللي يرجع من ألمانيا من غير ما يقول لمراته ممكن يعمل أزمة أكبر فقال لها معاك حق وبعدين شال ليان من على الأرض وحطها في حضنه وبص لمريم وقال لها فاكرة أول يوم رجعت؟ فقالت له أيوه فقال لها كنت فاكر إن أكبر مفاجأة هي إني رجعت بدري فقالت له وطلعت؟ فقال لها طلعت أنا اللي اتفاجئت لكن يمكن كانت أحسن صدمة حصلتلي في حياتي لأن لو ما رجعتش في اليوم ده يمكن ما كنتش هعرف أبدًا إيه اللي كان بيحصل هنا ومريم بصت له وقالت وأنا لو ما رجعتش يمكن كنت هفضل ساكتة فقال لها عمر عشان كده من النهاردة مفيش سكوت بينا لو زعلانة قولي لو خايفة قولي لو محتاجة حاجة قولي ولو حد حاول يمنعك من الكلام معايا يبقى هو اللي اختار يبعد عن حياتنا وبعدها قربت مريم منه وقالت له وأنا عندي طلب واحد فقال لها إيه؟ قالت له لما تسافر تاني ماتجيبليش شوكولاتة كتير فقال لها ليه؟ قالت له عشان كل ما أشوفها هفتكر النودلز فقال لها خلاص هجيبلك مطبخ كامل بدل الشوكولاتة وضحكوا هما الاتنين بينما ليان بدأت تضحك من غير ما تفهم سبب ضحكهم وفي اللحظة دي عمر بص لبنته وقال لها بصوت منخفض أنتِ مش عارفة إنك كنتِ السبب في إن أبوكي يرجع من آخر الدنيا عشان يشوفك وإنك كنتِ لسه مولودة لكنك علمتيني أول درس في الأبوة قبل حتى ما أسمع صوتك وبعدها وضع قبلة على رأسها وأمسك يد مريم وقال لها البيت ده عمره مايتساب تاني لأي حد مهما كان قريب ومهما كان غالي لأن الحب من غير حدود ممكن يتحول لسيطرة والاهتمام من غير احترام ممكن يتحول لأذى والعيلة الحقيقية مش اللي تقول إحنا عيلة لما تحتاج فلوسك العيلة الحقيقية هي اللي تخاف عليك وأنت غايب وتحافظ على بيتك وتحترم زوجتك وتحمي طفلك من غير ما تستغل ثقتك وعمر كان يعرف إن اللي حصل مش هيتنسي تمامًا لكنه كان متأكد إن الإنسان مش لازم يمسح الجرح عشان يعيش بعده أحيانًا كل اللي يحتاجه إنه يتعلم منه ومريم تعلمت إنها تتكلم وعمر تعلم إنه مايسيبش أهم ناس في حياته خلفه بحجة إنه بيبني مستقبلهم ونوال تعلمت إن الأمومة مش امتلاك وإن القرابة مش تصريح بالتدخل ورانيا تعلمت إن المساعدة لا تعني استخدام أموال الآخرين وكريم تعلم إن الديون لا تبرر الخيانة وفي النهاية لم يكن أهم شيء إن ال يورو رجعوا ولا إن الرحلة انتهت ولا إن الحقيقة ظهرت أمام الجميع أهم شيء إن مريم في صباح اليوم التالي وقفت في مطبخها وهي عارفة إنها مش لوحدها وإن عمر لما دخل البيت هذه المرة لم يكن يحمل شنطة هدايا فقط بل كان يحمل وعدًا حقيقيًا إنه مهما حصل ومهما بعد ومهما انشغل لن يسمح لأي شخص أن يجعل زوجته تشعر مرة أخرى إنها غريبة في بيتها وبعد سنوات لما كانت ليان أكبر وسألت والدها ليه عندنا صورة قديمة ليكي وأنت ماسكة طبق نودلز قالت مريم وهي بتضحك لأن باباكي رجع من ألمانيا في يوم غلط وكان فاكر إنه هيفاجئني فقالت ليان عمل إيه؟ فقال عمر وهو يضحك أول ما شاف النودلز الباردة اتصدم فقالت ليان وإنتِ؟ فقالت مريم أنا كنت مستنية حد بس يقولي إنتِ كويسة؟ ولما باباكي رجع قال لي الجملة دي قبل أي حاجة فقالت ليان وبعدين؟ قال عمر وبعدين فهمت إن بعض الناس ممكن يسرقوا فلوسك لكن الأخطر إنهم يحاولوا يسرقوا صوتك ولما أصرينا إن مامتك تتكلم وتقول الحقيقة رجع كل شيء لمكانه تقريبًا لكن أهم حاجة إننا عمرنا ما سكتنا تاني فضحكت ليان وقالت يعني النودلز كانت سبب كل ده؟ فقال عمر أيوه وكانت باردة كمان فقالت مريم خلاص نعملها كل سنة ذكرى فضحكوا جميعًا وفي تلك الليلة جلس عمر ومريم على الشرفة بينما كانت ليان نائمة فقالت مريم فاكر أول ليلة بعد رجوعك؟ قال لها عمر مستحيل أنساها فقالت كنت خايفة إنك تزعل مني فقال لها وأنا كنت خايف إني أكون قصرت معاكي فقالت له إحنا الاتنين كنا خايفين فقال لها بس الفرق إننا دلوقتي بنقول لبعض إننا خايفين ومابنسيبش الخوف ياكلنا وبعد لحظة صمت قالت له أنا مبسوطة إنك رجعت فقال لها وأنا مبسوط إني رجعت قبل الموعد بأربعة أيام فقالت له ليه؟ فقال لأن أربعة أيام كانوا كفاية يغيروا حياتنا كلها لكنها ماقدرتش تفرقنا بل علمتنا إن أقوى البيوت مش البيوت اللي عمرها ما يحصل فيها خلاف لكن البيوت اللي لما الحقيقة تظهر أهلها يختاروا بعض من جديد ومد عمر إيده ومسك إيدها وقال لها تصبحين على خير يا أم ليان فقالت له وإنت من أهله يا أبو ليان وقام عمر يدخل البيت لكنه وقف عند باب المطبخ للحظة وبص على التلاجة المليانة والأرفف المرتبة والطبق اللي كانت مريم سابته على الترابيزة وابتسم لأن الصورة القديمة مازالت في ذاكرته رجل يدخل بيتًا في منتصف الليل ويجد زوجته التي أنجبت طفلته منذ أيام تأكل نودلز باردة في مطبخ خالٍ من الطعام لكن الصورة الجديدة كانت مختلفة تمامًا بيت دافئ وطفلة نائمة وزوجة مطمئنة وزوج يعرف أخيرًا أن أكبر ثروة يمكن أن يمتلكها الإنسان ليست الحساب البنكي ولا المشروع ولا السفر ولا الهدايا وإنما شخص يثق فيه عندما يقول أنا محتاجك فيرد عليه أنا هنا ولن أتركك وحدك ومن يومها لم يعد طبق النودلز البارد عندهم رمزًا للجوع أو الإهمال بل أصبح ذكرى عن اليوم الذي رجع فيه عمر من ألمانيا واكتشف أن المفاجأة الحقيقية لم تكن ولادة ليان وحدها بل ولادة شيء جديد داخل أسرته شيء اسمه الصراحة والحدود والثقة وأنقذ بيتًا كان يمكن أن ينهار بصمت ولو لم يفتح ذلك الباب في ذلك اليوم ربما كانت القصة ستأخذ نهاية مختلفة تمامًا لكن عمر فتح الباب وسمع صوتًا ضعيفًا من المطبخ ودخل وسأل مريم إنتِ بتعملي إيه هنا؟ ومن السؤال البسيط ده بدأت الحقيقة تظهر ومن الحقيقة بدأت المواجهة ومن المواجهة بدأت الحدود ومن
متابعة القراءة