كانت سيلين واقفة قدام المراية الصغيرة في أوضة النوم، بتحاول تقفل السلسلة بتاعتها بإيديها الصغيرة، ولسانها طالع من التركيز، وأنا واقفة وراها بسرّح شعرها بالمشط، لحد ما قالت الجملة اللي خلت الدنيا كلها تسكت فجأة: "ماما… هو بابا بيكلم مين في المخزن الصغير تحت السلم؟" إيدي اتجمدت في نص الحركة، والمشط وقع من بين صوابعي على الأرض بصوت خفيف، بس بالنسبة لي كان كأنه دويّ انفجار. بصيت لها في المراية، عيني في عينها، وقلت بصوت مرتعش: "إنتي بتقولي إيه يا سيلين؟ بابا بيدخل المخزن تحت السلم؟" هزت راسها ببساطة وقالت ببراءة مخيفة: "آه… كل يوم بليل وإنتي في المطبخ… بيدخل ويقفل الباب، وبسمعه بيهمس للحيطة ويقول: مريم… وحشتيني… وقريب هنخلص منها." الكلمة الأخيرة علقت في ودني زي مسمار. "نخلص منها." حسيت ببرودة بتجري في ضهري. مريم؟ مين مريم؟ أنا معرفش حد بالاسم ده… وهو كمان ماعندوش قرايب أو صحاب اسمهم مريم. طول الطريق لبيت أمي وأنا سايقة العربية وسيلين جنبّي بتغني أغنية أطفال، لكن دماغي كان في حتة تانية خالص. خالد… جوزي اللي بقالنا تسع سنين متجوزين، الراجل الهادئ اللي عمره ما رفع صوته عليا، ممكن يكون بيخبي سر بالشكل ده؟ ولما وصلنا عند أمي، حاولت أتصرف طبيعي قدامهم، لكن قلبي كان بيخبط في صدري كأنه عايز يهرب. فضلت طول القعدة سرحانة، وكل ما
أبص لسيلين أحس برعب أكبر… لأنها كانت بتقول الحقيقة ببساطة الأطفال اللي ما بيعرفوش يكذبوا. رجعنا البيت بالليل، وخالد كان قاعد على الكنبة قدام التلفزيون، أول ما شافني ابتسم وقام باس راسي وقال: "اتأخرتي ليه؟" بوسة راسه اللي طول عمرها كانت بتطمني… حسيتها المرة دي باردة وغريبة، كأنها بوسة وداع. قلت له إني تعبانة شوية وهقعد قدام التلفزيون، وهو دخل ينام بعد شوية. استنيت نص ساعة كاملة أتأكد إن نفسه اتقل ودخل في النوم، وبعدها قمت بهدوء شديد. البيت كله كان ساكت… ساكت بطريقة تخوف. نزلت ناحية المخزن الصغير تحت السلم، المكان اللي عمرنا ما اهتمينا بيه غير عشان نحط فيه الشنط القديمة والكراكيب. فتحت الباب ببطء، وصوت المفصلة القديمة صرّ بصوت خافت خلى قلبي يقف لحظة. دخلت ونورت كشاف الموبايل. التراب كان مغطي كل حاجة، والريحة خانقة. افتكرت كلام سيلين… "بابا بيكلم الحيطة". قربت من الحيطة اللي قدامي، وبدأت أخبط عليها بخفة… مرة… مرتين… لحد ما سمعت صوت مختلف… صوت فراغ. قلبي وقع في رجلي. بدأت أقشر ورق الحائط القديم بأظافري، لحد ما ظهر خرم صغير متسدود بقطعة قماش. سحبت القماشة وبصيت جوه… وساعتها الدنيا لفت بيا. ورا الحيطة كان في ممر ضيق… ممر سري متوصل بالبيت اللي جنبنا. واللي كان واقف في الممر وبيحط هدوم في شنطة سفر… كانت مريم. جارتي اللي اختفت
من سنة والكل قال إنها سافرت بعد طلاقها. اتراجعت خطوة وانا حاطة إيدي على بوقي عشان ما أصرخش. في اللحظة دي سمعت صوت ورايا… صوت باب بيتفتح. لفيت ببطء… ولقيت خالد واقف في مدخل المخزن، عينه ثابتة عليّ. قال بهدوء مرعب: "كنتي لازم تفضلي نايمة." قلبي كان هيقف. قلت بصوت متقطع: "إيه ده يا خالد؟ مريم هنا ليه؟ والممر ده إيه؟" خالد فضل ساكت ثواني، وبعدين تنهد وقال: "كنتي هتعرفي في يوم من الأيام." فجأة ظهرت مريم من الممر، وشكلها متوتر. قالت: "قلتلك لازم نسيب البيت ده… قلتلك!" خالد رد عليها بعصبية: "اسكتي!" بصيت بينهم وأنا مش فاهمة حاجة، لحد ما خالد قال جملة كسرت كل حاجة: "مريم مراتي الأولى." حسيت كأن الأرض اتشالت من تحتي. قال إنه اتجوزها زمان، لكن المشاكل بينهم خلتها تختفي قدام الناس عشان تهرب من ديون كبيرة كانت مهددة حياتهم، فاتفقوا إنها "تختفي" سنة كاملة لحد ما يخلصوا المشكلة. والممر السري اتعمل زمان بين البيتين أيام ما كانوا بيتجددوا. ولما اتجوزني بعدها بسنين، كان مفكر إن الماضي انتهى. لكن مريم رجعت فجأة بعد الطلاق، وماكانش عندها مكان تروح له، فخلاها مستخبية في الممر المؤدي لبيت الجيران الفاضي مؤقتاً. سألته وأنا منهارة: "طب… نخلص منها دي كنت بتقولها ليه؟" سكت… وبعدين قال بصوت واطي: "كنت أقصد… نخلص من الكذبة… ونقولك الحقيقة." قبل
ما أتكلم… سمعنا صوت خبط شديد فوق. صوت سيلين بتصرخ: "ماما!" جريت على السلم وأنا قلبي هيقف. لما وصلت الأوضة لقيت سيلين واقفة مرعوبة وبتعيط. قالت: "في راجل كان بيبص عليا من الشباك!" جريت ناحية الشباك وبصيت… وشفت ظل بيجري في الشارع. في اللحظة دي خالد جري بره البيت يلحقه. بعد عشر دقايق رجع وهو بيتنفس بسرعة وقال إن الراجل ده كان واحد من الناس اللي بتدور على مريم بسبب الديون القديمة. الحقيقة اللي ظهرت بعدها كانت أبشع: اختفاء مريم ماكانش مجرد هروب… كان بسبب شبكة نصب كبيرة كانت متورطة فيها مع طليقها التاني، والناس اللي بتدور عليها كانوا فاكرين خالد مخبيها. لما عرفوا عنواننا بدأوا يراقبوا البيت. خالد كان بيحاول يحمي سيلين وأنا من الموضوع ده من غير ما يقول حاجة. في الليلة دي أخدنا قرار نهرب من البيت مؤقتاً ونبلغ الشرطة. وبعد أسابيع من التحقيق، اتقبض على العصابة كلها واتحل الموضوع. لكن حياتي أنا وخالد عمرها ما رجعت زي الأول. السر اللي كان مخبيه بين الحيطان كسر الثقة اللي بينا. وبعد شهور طويلة من الصمت والتفكير… قررت آخد سيلين ونبدأ حياة جديدة بعيد عن البيت ده والممر السري والذكريات اللي فيه. لأن الحقيقة اللي اتعلمتها في الليلة دي إن أخطر الأسرار مش اللي ورا الحيطان… أخطرها اللي بتعيش معاك سنين وانت فاكر إنك عارف كل حاجة.