حماتي ربطت بنتي في السرير

لمحة نيوز

رجعت من الشغل يومها بدري شوية، كان قلبي مشغول ببنتي "سلمى". من ساعة ما اتولدت وأنا حاسة إن حياتي كلها بقت مربوطة بيها. ثلاث شهور بس، لكنها بقت الدنيا كلها. وأنا طالعة على السلم كنت متخيلة صوتها وهي بتعيط عياطها الصغير اللي بحبه، أو صوت حماتي "ليلى" وهي بتزعق لي وتقول إن العيال بتتدلع زيادة. بس أول ما فتحت باب الشقة، حسيت إن فيه حاجة غلط… سكون تقيل، سكون يخوف. مفيش عياط، مفيش صوت حركة، حتى التليفزيون اللي ليلى كانت بتسيبه شغال طول اليوم كان ساكت. رميت شنطتي على الكرسي وقلبي بدأ يدق بسرعة. ناديت بصوت عالي: "يا حماتي؟ يا ليلى؟" بعد ثواني ظهرت من الممر، في إيديها فوطة مطبخ، وبصت لي ببرود غريب كأن مفيش حاجة. قالت وهي بتتنهد: "بنتك كويسة… أنا بس ثبتها عشان كانت بتتحرك كتير ومقريفاني." الكلمة نزلت عليا زي صدمة. قلت لها وأنا حاسة إن رجلي بتتلخبط: "يعني إيه ثبتيها؟" ردت بزهق: "كنت عايزة أنام شوية، وهي عمالة تفرك بإيديها ورجليها… العيال الصغيرة المفروض يناموا مش يتحركوا كده، فربطتها عشان

ترتاح وتريحني." مكدبتش على نفسي لحظة، جريت على أوضة الضيوف اللي هي صممت إن سلمى تنام فيها عشان تبقى جنبها. فتحت الباب وأنا قلبي بيخبط في صدري… ولما شفت المشهد حسيت إن الدنيا اسودت. بنتي كانت على السرير الكبير، مش في سريرها. طرحة حماتي ملفوفة حوالين جسمها ومربوطة من تحت المرتبة، وإيديها الصغيرة متكتفة بقطعة قماش، ووشها محشور في الملاية. شفايفها زرقا… وجسمها ساكن. صرخت وأنا بفك الرباط بإيدي المرتعشة، شلتها… كانت باردة. حطيت ودني على صدرها، مفيش نبض. في اللحظة دي حسيت إن قلبي اتكسر. بدأت أضغط على صدرها بصوابعي زي ما اتعلمت في كورس الإسعافات الأولية وأنا بعيط: "فوقي يا سلمى… بالله عليكي فوقي." نفس صغير، ضغطتين، نفس تاني… وأنا بصرخ. ليلى كانت واقفة على الباب بتقول ببرود: "بلاش الدراما دي… أنا أمنتّها بس عشان متقعش، إحنا طول عمرنا بنعمل كده." مسكت موبايلي واتصلت بالإسعاف وأنا بنهج. بعد دقايق طويلة وصلت العربية، المسعفين دخلوا بسرعة وخدوا سلمى وركبوا لها أكسجين. وأنا واقفة حافية مش
حاسة بحاجة غير إيدي بنتي الباردة. ركبت معاهم وأنا بدعي ربنا ما ياخدهاش مني. في المستشفى دخلت الطوارئ، والدقايق بقت ساعات. ليلى كانت قاعدة بره تمثل العياط وتقول إنها كانت خايفة عليها. لما خرج الدكتور بعد ساعة كان وشه متجهم. بص لها وسأل: "إنتي اللي ربطتي البنت بالشكل ده؟" بدأت تتأتأ، لكنه قاطعها بغضب وقال إن اللي حصل جريمة وإهمال خطير، وإن الطفلة دخلت في غيبوبة بسبب نقص الأكسجين. بعدها بربع ساعة وصلت الشرطة. الضابط سألني عن كل حاجة حصلت، وأنا حكيت كل تفصيلة وأنا بعيط. ليلى حاولت تدافع عن نفسها وتقول إنها كانت "بتثبتها" بس. الضابط قال لها بحدة إن اللي عملته ممكن يقتل طفل. بعدها خدوها معاهم للتحقيق. فضلت قاعدة قدام أوضة العناية المركزة طول الليل، كل دقيقة كنت بدعي ربنا يرجعها لي. بعد ساعات خرج الدكتور وقال إن سلمى لسه في خطر لكن فيه استجابة بسيطة. اليوم اللي بعده كان أطول يوم في حياتي. جوزي "أحمد" وصل المستشفى وهو متلخبط، لما عرف إن أمه اتقبض عليها حاول في الأول يدافع عنها ويقول
إنها ما كانتش تقصد. بصيت له بوجع وقلت له إن بنتنا كانت هتموت. سكت. بعد يومين بدأت سلمى تتحرك حركة خفيفة… وإيدها الصغيرة مسكت صباعي. اللحظة دي حسيت إن روحي رجعت. الدكتور قال إن ربنا رحمها وإنها نجت، لكن لازم متابعة طويلة. لما خرجت من المستشفى كنت شايلة بنتي ومش قادرة أبعد عيني عنها. أحمد وقف قدامي وقال إنه غلط لما حاول يبرر لأمه، وإنه هيقف معايا. أما ليلى فالقضية كملت، واتحولت للمحاكمة بسبب الإهمال الجسيم وتعريض حياة طفلة للخطر. وأنا في كل يوم كنت ببص لسلمى وهي نايمة في سريرها الصغير جنب سريري وأفتكر اللحظة اللي كنت ممكن أخسرها فيها للأبد. اللحظة دي علمتني إن الأمومة مش بس حب… الأمومة حرب عشان تحمي روح صغيرة ربنا أمانة في إيدك، ولو الدنيا كلها وقفت ضدك، لازم تفضلي واقفة عشانها. وساعتها فهمت إن ربنا أحياناً بيدي إنذار مرعب… بس عشان يحمينا من كارثة أكبر. وسلمى كبرت قدام عيني بعد كده، وكل ما كانت تضحك كنت أفتكر اليوم اللي رجعت فيه للحياة… اليوم اللي كان ممكن يكون آخر يوم في حياتها.

تم نسخ الرابط