ياسمين كانت دايمًا بتقول إن حياتها هادية ومستقرة، يمكن مش مليانة رفاهية ولا فلوس كتير، لكن كان عندها أهم حاجة: جوزها ياسين. اتجوزوا من أربع سنين بعد قصة حب طويلة بدأت من أيام الجامعة، وياسين كان معروف بين كل الناس إنه راجل هادي ومحترم ومبيحبش المشاكل. كان شغال مهندس في شركة مقاولات كبيرة، وياسمين موظفة حسابات في شركة استيراد، وكل يوم الصبح كانوا ينزلوا سوا لحد أول الشارع، بعدين كل واحد يركب طريقه. الجيران كانوا بيحسدوا هدوء بيتهم، وحماتها رغم إنها ست تقليدية شوية لكنها كانت بتحب ياسمين وبتعاملها كأنها بنتها. لكن في الأسبوع الأخير قبل الحكاية الغريبة دي، ياسين كان متغير شوية. بقى ساكت أكتر من العادي، يرجع من الشغل متأخر، وأحيانًا يقفل تليفونه بالساعات. ياسمين سألته مرة: "مالك يا ياسين؟ في حاجة مضايقاك؟" ضحك وقال لها: "ضغط شغل بس، مشروع كبير." صدقته، لأنها عمرها ما شافته بيكدب عليها. وفي يوم الحكاية، كانت قاعدة في مكتبها بتراجع أرقام وتقفل حسابات الشهر، لما تليفونها رن وظهر اسم حماتها. أول ما ردت، سمعت صوت بكاء هستيري، وبعدين الجملة اللي هدت الدنيا فوق دماغها: "يا بنتي.. ابننا راح.. جوزك مات يا ياسمين!" من اللحظة
دي كل حاجة بقت ضباب. جريت من الشركة وهي مش حاسة برجليها، ركبت أول تاكسي، الطريق كله كانت بتعيط وبتقول للسواق يسرع. قلبها كان بيخبط كأنه هيطلع من صدرها. لما وصلت العمارة، كان في ناس واقفة قدام الباب ووشوشهم مكفهرة. قلبها وقع أكتر. طلعت السلم وهي بتنهج، ولما وصلت باب الشقة خبطت بعنف. الباب اتفتح… وكان ياسين واقف قدامها. بنفسه. حي. سليم. مبتسم ابتسامة باردة. اللحظة دي عقلها رفض يستوعب. كانت حاسة إنها بتحلم. همست: "ياسين..؟ إنت هنا؟" رد بهدوء غريب: "أيوة أنا.. اهدي بس، ده كان مقلب." الكلمة دي دخلت عقلها زي السكين. مقلب؟ مين يعمل مقلب بالموت؟ دخل ياسين الأوضة وسابها واقفة. بصت لحماتها، لقتها بترتعش ووشها شاحب. قالت لها برجفة: "ماما… لو ده مقلب… إنتي بتعيطي ليه؟" الست مسكت إيدها وقالت: "يا بنتي… أنا شفت ابني بعيني… جثة… في المستشفى!" ياسمين حسّت الأرض بتلف. في اللحظة دي ياسين خرج تاني، وقال: "ياسمين تعالي الأوضة." لكن صوته كان غريب. مفيهوش دفء. ومفيهوش الطريقة اللي متعودة عليها. وقفت متسمرة. وفجأة من الشباك جه صوت صريخ: "جوزك مات! الراجل ده مش جوزك!" كان ده "سعيد المجنون" بتاع الحتة، الراجل اللي طول عمره الناس بتضحك
عليه. كان واقف تحت العمارة بيشاور بعصبية. الناس بدأت تتجمع. ياسين بص ناحية الشباك بعينين باردة جدًا. ياسمين لاحظت حاجة تانية… ياسين كان دايمًا بيعرج عرجة خفيفة من حادثة قديمة… لكن الراجل اللي واقف قدامها ماكانش بيعرج خالص. قلبها سقط. رجعت خطوة لورا. قالت: "إنت مين؟" الراجل ابتسم ابتسامة باردة أكتر. وقال: "أنا جوزك." لكن في اللحظة دي الباب خبط بعنف. لما اتفتح دخل اتنين رجالة ومعاهم ضابط. قال الضابط: "فين ياسين عبد الحميد؟" الراجل رد بثقة: "أنا." الضابط قرب منه وبصله كويس، وبعدين قال: "غريبة… لأن الجثة اللي عندنا في المستشفى بنفس الاسم." ياسمين حست إنها هتغمى عليها. حماتها بدأت تصرخ. الراجل فجأة فقد هدوءه. حاول يهرب ناحية البلكونة، لكن الرجالة مسكوه. وبعد شوية التحقيق بدأ يتكشف السر. الراجل ده ماكنش ياسين. كان واحد شبهه بشكل مرعب اسمه شريف. مجرم نصاب كان شغال في عصابة بتستهدف الناس اللي عندهم تأمين على الحياة. العصابة عرفت إن ياسين عامل تأمين كبير على حياته بسبب مشروعه الجديد. الخطة كانت إنهم يقتلوا ياسين وياخدوا مكانه مؤقتًا عشان يمضوا على أوراق ويحاولوا يسحبوا الفلوس قبل ما حد يكتشف. لكن اللي خرب الخطة إن الجثة
اتعرفت أسرع من المتوقع، وإن "سعيد المجنون" كان شاف حاجة غريبة ليلة الحادثة. كان قاعد جنب الطريق وشاف اتنين رجالة بيضربوا ياسين ويدفعوه في عربية. حاول يقول للناس، بس محدش صدقه لأنه "مجنون". لما شاف شريف واقف في البلكونة فهم إن ده مش نفس الراجل. أما ياسين الحقيقي… فكان بالفعل مات في الليلة دي بعد ما حاول يقاومهم. الخبر وقع على ياسمين زي صاعقة. كل الذكريات، الضحك، السنين… انتهت فجأة. لكنها اكتشفت حاجة أخيرة قبل نهاية التحقيق. ياسين قبل موته كان شاكك إن في حد بيراقبه. وكتب رسالة قصيرة في إيميلها ماوصلتش إلا بعد موته. الرسالة كانت بتقول: "لو حصل لي حاجة… خلي بالك من نفسك… وفيه سر كبير في المشروع اللي شغال عليه." التحقيق بعد كدة كشف إن المشروع كان فيه فساد ضخم وشركة كبيرة كانت عايزة تسكت أي حد يكتشفه. وياسين كان قرب يوصل للحقيقة. القصة انتهت بسجن العصابة كلها. وسعيد المجنون… بقى بطل الحتة. الناس أخيرًا صدقته. أما ياسمين… ففضلت كل ليلة تبص لصورة ياسين وتفتكر آخر مرة شافته واقف قدام الباب… نفس وشه… لكن مش هو. واللحظة اللي فهمت فيها إن الإنسان ممكن يموت مرتين… مرة لما قلبه يقف… ومرة لما حد تاني يسرق ملامحه ويقف مكانه.