قصة نادية
يا ماما.. هو لو فطرنا النهاردة هنجوع بكرة؟ وهيرجع يضربك تاني لو روحنا؟
السؤال خرج من بق فرحة زي شوكة صغيرة بس غرزت في قلب نادية لحد ما وجعها خلا نفسها يتقطع، حاولت ترد بسرعة قبل ما دموعها تفضحها، مسحت على شعرها وقالت بصوت مهزوز: "لا يا حبيبتي.. ربنا كبير، ومحدش هيضربنا تاني"، لكن جواها كانت عارفة إن الكلمة دي مش وعد قد ما هي أمل بتتشعلق فيه عشان تعيش.
كانت قاعدة على الكنبة الخشب في آخر ركن في الجنينة، حضنة شنطة القماش وكأنها آخر حاجة فاضلة من الدنيا، ونور نايمة من التعب، ووشها الأصفر باين عليه إنها منامتش كويس بقالها أيام. نادية بصت حواليها، الناس رايحة جاية، ضحك أطفال من بعيد، ريحة فشار، صوت عربية فول، الحياة ماشية عادي كأن مفيش حد قاعد هنا بيحارب عشان يعيش يوم كمان.
على بعد خطوات، كان المعلم زغلول واقف، سيجارة في إيده، بس مش بيركز فيها، عينه ثابتة عليهم. أول مرة يحس بحاجة غريبة في صدره، حاجة شبه الضيق... أو يمكن وجع قديم افتكره فجأة. هو الراجل اللي محدش بيقدر يقف قصاده، اللي اسمه
افتكر نفسه وهو صغير... أمه وهي بتستخبى منه ومن أبوه، نفس النظرة اللي في عيون البنت دي... نفس الرعب.
نفض الفكرة من دماغه بعصبية، رمى السيجارة وداس عليها، وقال لنفسه: "ماليش دعوة... دي مشاكل ناس"، بس رجله ما اتحركتش.
نادية كانت بتعد الفلوس تاني، كأنها مستنية الرقم يزيد بمعجزة... 25 جنيه، بصت لهم كأنهم ولا حاجة، اشترت كشري من شوية، فاضل قد إيه؟ يكفي بكرة؟ طب وبعد بكرة؟
قلبها بدأ يدق بسرعة، فكرة الرجوع كانت بتخبط على دماغها، بس أول ما افتكرت عنتر وهو بيرفع الخرطوم... جسمها كله اتشل.
فجأة نور صحت مفزوعة، مسكت فيها وقالت: "بابا جه؟!"
بسرعة: "لا يا روحي.. مفيش بابا، إحنا في أمان"، بس صوتها خانها.
اللحظة دي كانت كفاية لزغلول. اتحرك ناحيةهم ببطء، خطواته تقيلة، لحد ما وقف قدامهم، نادية رفعت عينيها بخوف، قلبها وقع، أول فكرة جت في دماغها: "ده كمان هيأذينا".
قال بصوت هادي على غير عادته: "إنتي اسمك إيه؟"
اترددت، بس قالت: "نادية"
بص للبنات: "ودول؟"
"فرحة ونور"
سكت شوية، وبعدين قال: "مالك؟"
نادية حاولت تكذب: "مفيش... قاعدين بنغير جو"
ابتسم ابتسامة خفيفة فيها وجع: "أنا مش غبي"
سكتت... وبعدين فجأة، من غير ما تحس، لقت نفسها بتحكي... كل حاجة، الضرب، الخوف، الهروب، الجوع، الوحدة... الكلام خرج زي السيل، وهي مش عارفة ليه وثقت فيه، يمكن لأنها خلاص معندهاش حاجة تخسرها.
زغلول سمع وساكت، بس عينه بتتغير، كل كلمة كانت بتولع فيه حاجة قديمة، حاجة حاول ينساها سنين.
خلصت كلامها وهي بتعيط في صمت، قالها بعد لحظة: "مش هترجعي له"
بصت له بدهشة: "أعمل إيه؟"
قال بحسم: "هتيجي معايا"
خافت، ضمت بناتها: "لا... أنا مش..."
قاطعها: "لو كنت عايز أأذيكي، مكنتش سألتك"
بصت في عينه... لقت صدق غريب، حاجة مش شبه سمعته خالص.
في نفس اللحظة، صوت عالي قطع الكلام:
"نـــــــادية!"
جسمها كله اتجمد... عنتر.
واقف على باب الجنينة، عينه بتلمع، وشه مليان غضب، أول ما شافها اتحرك ناحيتها بسرعة، وهو بيشتم.
فرحة استخبت ورا أمها، نور بدأت تعيط، نادية قامت وهي
عنتر وصل ومد إيده يمسكها: "بتهربي يا بنت..."
قبل ما يكمل، إيد تانية مسكت إيده بعنف.
زغلول.
بص له عنتر باستغراب: "إنت مين؟"
الرد جه بارد: "اللي هيوقفك"
ضحك عنتر بسخرية: "دي مراتي!"
زغلول قرب منه وقال بصوت واطي بس مرعب: "من النهاردة... لأ"
حصلت لحظة صمت تقيلة، الناس بدأت تلم، وعنتر حاول يشد إيده، بس زغلول زود الضغط، لحد ما عنتر صرخ.
قاله: "لو قربت لها تاني... مش هتعدي"
عنتر بص حواليه، حس إنه اتزنق، وساب إيده وهو بيبص بنار: "لسه الحساب مجاش"
مشي، بس بنظرة وعدت بشر.
نادية كانت واقفة مش مصدقة، رجليها مش شايلها، زغلول بص لها وقال: "يلا"
ركبهم عربية، خدهم على بيت قديم بس نضيف، فيه ست كبيرة استقبلتهم، قال لها: "دي أمانة عندك"
الست نادية من غير ما تسأل.
الأيام عدت... نادية بدأت تشتغل في مطبخ صغير، البنات دخلوا مدرسة، الضحكة رجعت وشوشهم واحدة واحدة.
أما زغلول... فكان بييجي من بعيد يطمن، من غير ما يدخل، كأنه بيكفّر عن حاجة.
وفي يوم، نادية وقفت قدام المراية، بصت لنفسها، لأول مرة من
"أنا نجيت"
وبرا، كانت الشمس طالعة... كأنها بتبدأ حكاية جديدة.