شر حماتي و مكرها
من الفجر بدري، كانت "فرح" واقفة في مطبخها الصغير، وشها مرهق لكن عينيها فيها لمعة أمل غريبة… أول يوم عيد بعد جوازها بسنة، وكانت نفسها يبقى يوم مختلف، يوم تراضي، يوم تحس فيه إنها أخيرًا بقت "مقبولة" في بيت جوزها. النار شغالة على أربع عيون بوتاجاز، صواني الرقاق مرصوصة، اللحمة بتتحمر بصوت يفتح النفس، والفتة ريحتها مالية الشقة لدرجة إنها حسّت إن التعب كله يستاهل.
كانت بتقول لنفسها: "يمكن النهاردة… يمكن حماتي ترضى عني… يمكن شريف يبصلي بنظرة حلوة زي زمان."
خلصت تجهيز قبل ما الشمس تطلع، دخلت تاخد دش سريع، لبست فستان بسيط، وحطت مكياج خفيف، ووقفت تبص لنفسها في المراية… ابتسمت، رغم كل حاجة.
الجرس رن.
دخلوا… حماتها "فوزية" بوش مكشر، سلايفها "إجلال" و"مديحة" بضحكات صفرا، وجوزها "شريف"… لا بص لها ولا قال لها كل سنة وانتي طيبة.
قلبها وجعها… بس سكتت.
قعدوا على السفرة، والأكل كان فعلاً تحفة… الكل أكل وساكت، مفيش كلمة شكر، مفيش حتى مجاملة. فرح كانت بتتحرك حوالين السفرة زي الشبح، بتخدمهم وهي مستنية كلمة… أي كلمة.
لكن اللي حصل… كان كفيل يكسر قلبها للأبد.
"اقعدي يا فرح."
الصوت كان قاطع… بارد… غريب.
بصت لحماتها باستغراب: "نعم يا ماما؟"
ردت وهي بتطلع ورقة من شنطتها: "ملوش لازمة تعبك…
ضحكة عصبية خرجت من فرح: "آخر مرة؟ ليه يعني؟"
وساعتها… حماتها قالتها بمنتهى البرود: "عشان انتي اتطلقتي."
الصمت وقع على المكان زي المقبرة.
فرح بصت لشريف… مستنية ينفي، يقول حاجة، يصرخ… يعمل أي رد فعل.
لكنه… سكت.
بس سكت.
رجليها اتهزت، مسكت في طرف الترابيزة عشان تقعش، وقالت بصوت مخنوق: "إنت… طلقتني؟"
شريف ما ردش.
حماتها كملت: "طلقك الصبح قبل صلاة العيد… ودي ورقتك."
العالم كله لف بيها… بس فجأة، بدل ما تنهار… حاجة جواها اتكسرت… واتبدلت.
هدوء غريب نزل عليها.
هدوء مرعب.
قالت: "ليه؟"
إجلال ضحكت: "عشان اللي زيك متستاهلش ابننا."
مديحة كملت: "وعشان الغلطة الكبيرة اللي عملتيها… كتبتي الشقة باسمك."
هنا… فرح فهمت.
كل حاجة بقت واضحة.
حماتها قربت منها وقالت: "قدامك حلين… يا تمضي تنازل عن الشقة لتامر… ونرجعك لشريف تعيشي تحت طوعنا… يا إما تخرجي منها حالًا."
فرح سكتت.
بصت حواليها… لكل وش فيهم.
وبعدين… حصلت الصدمة الأكبر.
بصت لأختها… اللي كانت قاعدة ساكتة.
عينها وقعت في عين أختها… ولمحت حاجة… خيانة.
حماتها قالت بابتسامة خبيثة: "بالمناسبة… تامر هيجوز أختك… وهي أولى بالشقة منك."
القلب اتقطع… بس برضه… ما انهارتش.
بالعكس.
ابتسمت.
ابتسامة
قالت بهدوء: "تمام… همضي."
الكل بص لبعضه بانتصار.
"بس…"
الكلمة دي وقفتهم.
"هروح أجيب العقد من الأوضة."
دخلت أوضتها… قفلت الباب.
وقفت ثواني… وبعدين طلعت موبايلها… وضغطت تسجيل.
فتحت باب الأوضة… ورجعت ليهم.
"ممكن تعيدوا الكلام تاني؟ عشان أفهم… أنا هتنازل عن الشقة بإرادتي؟ ولا إيه؟"
حماتها بثقة قالت: "بإرادتك يا حبيبتي… عشان ترجعي لجوزك."
فرح قربت شوية: "ولو ما مضيتش؟"
إجلال قالت: "هنهد حياتك… ومش هتعرفي تدخلي الشقة تاني."
مديحة: "وهندخل تامر يسكن فيها غصب عنك."
حماتها ختمت: "وهنلففك في المحاكم لحد ما تتكسري."
فرح ابتسمت… وقفلِت التسجيل.
"حلو أوي."
قالتها وهي بتحط الموبايل في جيبها.
"دلوقتي… نبدأ بقى بجد."
وشهم اتغير.
"إيه؟"
فرح سحبت ملف من الدولاب… وحطته على الترابيزة.
"ده عقد الشقة… باسمي… ومسجل… وده إيصال تحويل الفلوس من حسابي… وده فيديو وأنا بدفع المقدم."
السكوت بدأ يدخل في قلوبهم.
"والتسجيل اللي أنا سجلته من شوية… فيه تهديد… وابتزاز… ومحاولة استيلاء على ملكية."
حماتها صرخت: "إنتي بتسجلي لنا؟!"
فرح بصتلها بثبات: "وأكتر من كده كمان… الشقة فيها كاميرات."
جملة واحدة…
قلبت الدنيا.
"كاميرات؟!"
"آه… من يوم ما حسيت إن في حاجة غلط…
اللون اترسم على وشوشهم… رعب.
"يعني… دلوقتي… معايا أدلة كفاية إني أسجنكم كلكم بتهمة التهديد… والابتزاز… ومحاولة الاستيلاء على ملكية."
إجلال بدأت ترتعش: "لا لا… إحنا كنا بنهزر…"
"نهزر؟ بورقة طلاق؟ ولا بسرقة شقة؟"
شريف أخيرًا اتكلم: "فرح… خلينا نحل الموضوع بهدوء…"
بصت له… نظرة واحدة بس… خلتُه يسكت.
"إنت آخر واحد تتكلم."
قربت من الباب… وفتحته.
"قدامكم دقيقتين… تمشوا من بيتي… وإلا هكلم الشرطة دلوقتي."
حماتها جريت عليها: "إحنا أهلك!"
"وأنا كنت مرات ابنك… ومعملتش فيا حساب."
أختها قامت تجري عليها: "سامحيني… أنا كنت مضغوطة…"
فرح ضحكت ضحكة وجعت قلبهم كلهم: "تبيعي أختك عشان شقة؟ ربنا يسامحك… بس أنا مش هقدر."
بدأوا يلموا نفسهم بسرعة… لأول مرة… هما اللي مكسورين.
قبل ما يخرجوا… حماتها وقفت وقالت بصوت مكسور: "اقفلي الموضوع ده… وإحنا هنمشي ومش هنرجع."
فرح ردت بهدوء: "أنا مش هبلغ… بس بشرط."
الكل بص لها بلهفة.
"تطلقوني رسمي… وتكتبوا إقرار إن مفيش لكم أي حق في الشقة… وتبعدوا عني نهائي."
هزوا راسهم بسرعة.
"موافقين."
خرجوا… وهم مكسورين.
وقفت فرح في نص الشقة… بصت حواليها… نفس المكان اللي كانوا عايزين
دمعة نزلت من عينها… بس كانت دمعة قوة مش ضعف.
قالت بصوت واطي:
"أنا خسرت ناس… بس كسبت نفسي."
وفي أول يوم العيد…
ما كانتش الفرحة في لمة ولا في أكل…
كانت في إنها… نجت.