حكاية نوسة

لمحة نيوز

كان اسمها الحقيقي “نُهى”، بس الكل كان بيناديها “نوسة”… الاسم اللي كان دايمًا بيوجعها لأنه بيفكرها بكل مرة حد استصغرها فيها. اتربت في بيت بسيط جدًا، أبوها مدرس لغة فرنسية في مدرسة حكومي، وأمها ست طيبة بتخيط للناس عشان تساعد في مصاريف البيت. من وهي صغيرة، كانت نوسة مختلفة… هادية زيادة عن اللزوم، بتراقب أكتر ما بتتكلم، وبتفهم أكتر ما بتظهر.

أبوها كان شايف فيها حاجة محدش غيره شايفها… كان يقول لها دايمًا: “إنتِ مش قليلة يا نُهى، إنتِ بس لسه الدنيا ماخدتش بالها منك”. كان بيقعد معاها بالساعات يعلمها فرنساوي، مش مجرد لغة… لا، كان بيعلمها نطق، ثقافة، طريقة تفكير، إزاي تكون واثقة وهي ساكتة. لحد ما بقت بتتكلم فرنساوي أحسن من ناس عايشة في باريس نفسها.

كبرت نوسة، ودخلت كلية سياحة وفنادق بمنحة، وكانت دايمًا الأولى… بس الفلوس كانت مشكلة. مات أبوها وهي لسه في سنة تانية، وسابها في مواجهة الدنيا لوحدها. اضطرت تشتغل جنب دراستها… اشتغلت نادلة، موظفة استقبال، مترجمة… أي حاجة.

وهنا دخل “عصام” حياتها.

عصام كان شاب شكله شيك، لبسه نضيف، كلامه كبير، بس جواه كان فاضي. شافها في الفندق اللي كانت شغالة فيه، وعجبته هدوءها… افتكرها سهلة، بسيطة، “على قدها” زي ما بيقولوا. قرب منها بكلام معسول، وعدها بالجواز والحياة الكبيرة… وهي؟ كانت محتاجة أمان، فصدقته.

اتجوزته بسرعة… ومن أول شهر، وشه الحقيقي بدأ يظهر.

كان بيهينها على أقل حاجة… يضحك على طريقتها، على كلامها، على أصلها. يمنعها تشتغل، ويحبسها في دور “الزوجة الغلبانة”. ومع الوقت، بقى واضح إنه عايز يستخدمها مش يعيش معاها… استلف باسمها، كتب حاجات باسمه من تعبها القديم، واستغل طيبتها لأقصى درجة.

لكن نوسة كانت بتسكت… مش ضعف، لا… كانت بتراقب.

. ولما واجهته؟ ضحك. قال لها بالحرف: “إنتي آخر واحدة تتكلمي… ده أنا عملتك من العدم”.

في الليلة دي، نوسة ماعيطتش… بس اتغيرت.

بدأت تتحرك في صمت. رجعت تشتغل من وراه، ترجمت، دخلت في مشاريع صغيرة، استغلت كل قرش معاها. وافتكرت كل كلمة أبوها قالها لها. اشتغلت على نفسها، وطورت لغتها، واتعلمت إدارة، واستغلت

فرصة شغل مع مستثمر أجنبي كان محتاج حد بيفهم لغة وثقافة.

ومن هنا… حياتها اتقلبت.

سافرت، اشتغلت، كبرت… لحد ما بقت شريكة في مشروع فندقي كبير. ومع الوقت، بذكائها وشطارتها، بقت هي صاحبة سلسلة فنادق كاملة.

أما عصام؟ كان بيغرق… ديون، فشل، محاولات فاضية يظهر إنه لسه “بيه”.

وفي يوم… القدر لعب لعبته.

عصام حجز جناح “ملكي” في واحد من أفخم الفنادق… مش عشان مرتاح، لا… عشان يتمنظر قدام “سوزي” اللي كان بيحاول يثبت لها إنه لسه مهم. الفندق ده… كان ملك نوسة.

لكن هو مايعرفش.

ونوسة؟ قررت تختبر حاجة… تنزل تشتغل يوم وسط العمال، زي زمان.

ولما شافته… عرفت إن اللحظة دي هي نهاية الحكاية.

حصل اللي حصل… إهانته لها، استعراضه، ضحكه، كلامه بالفرنساوي المكسر… وهو فاكر إنه بيكسرها قدام الناس.

بس المرة دي… نوسة ماكانتِش البنت اللي سابها.

رفعت راسها… وردت عليه بنفس لغته… لا، أحسن منه. صححت له، كشفت جهله، وكسرت القناع اللي لابسه قدام الكل. القاعة سكتت… وبعدين انفجرت همس وضحك.

ولما أعلنت طلاقها قدام الكل… كانت بتعلن نهاية مرحلة كاملة.

ظهور “مدحت” المدير، وانحناؤه لها… كان الضربة القاضية.

الناس اللي كانت بتضحك مع عصام… بقت تضحك عليه.

سوزي سابت إيده… خطوة ورا خطوة، وكأنها ما تعرفوش.

وعصام؟ كان قاعد… مكسور، صغير، أول مرة يشوف نفسه على حقيقته.

نوسة ما صرختش… ما شتمتش… بس قالت جملة واحدة غيرت كل حاجة:

“اللي يبيع نفسه عشان يتمنظر… مايلزمناش”.

أمرت بطرده… واتنفذ القرار فورًا.

خرج من الفندق… والناس بتبص عليه، نفس النظرة اللي كان بيبص بيها لغيره.

في الشارع، حاول يستخبى… بس مافيش مكان.

أما نوسة؟ رجعت مكتبها، قلعت المريلة، وبصت لنفسها في المراية… وابتسمت.

مش عشان انتصرت عليه… لكن عشان أخيرًا بقت الشخص اللي أبوها كان شايفه فيها.

ومن يومها، بقى اسم “نوسة” مش رمز للضعف…

بقى حكاية تتحكي عن واحدة اتكسرت… بس ما انهزمتش.

وكل واحد شاف اللي حصل يومها… عمره ما نسي الدرس:

مش كل اللي ساكت ضعيف… ومش كل اللي بيتكلم قوي.

وفي يوم من الأيام… الدنيا بترجع لكل واحد حقيقته… قدام الكل.

خرج عصام

من باب الفندق وهو حاسس إن الأرض بتتمرجح تحت رجليه، الأصوات حواليه بقت مشوشة، وضحكات الناس لسه بترن في ودنه زي صفارات إنذار مش راضية تسكت… حاول يتمالك نفسه، فرد كتافه ومشي بخطوات سريعة كأنه لسه “بيه”، بس الحقيقة إن كل خطوة كان بيغرز فيها أكتر في إحساس مهين عمره ما داقه قبل كده. سوزي؟ كانت اختفت… لا اتصال، ولا حتى رسالة، وكأنها عمرها ما كانت واقفة جنبه من شوية. ركب عربيته وهو بيخبط الباب بعنف، وفضل ساكت دقايق طويلة، وبعدين فجأة خبط بإيده على الدركسيون وصرخ: “إزاي؟! إزاي دي تطلع كده؟!”

لكن السؤال الحقيقي اللي كان بيهرب منه… مش “إزاي هي بقت كده؟”… السؤال كان: “هو إزاي فضل صغير كده؟”

عدت أيام، وعصام حاول يرجع لحياته القديمة… بس مافيش حاجة رجعت زي ما كانت. الناس اللي كانت بتلف حواليه اختفت، التليفون بقى ساكت، وأصحاب “المصالح” بقوا بيعتذروا بألف حجة. سمعته؟ اتكسرت… خصوصًا بعد ما فيديو اللي حصل في الفندق انتشر على السوشيال ميديا، وبقى مادة للتهكم. كل ما يدخل مكان، يحس العيون عليه… مش إعجاب، لا… شفقة وسخرية.

بدأت الديون تطلع من تحت الأرض زي الأشباح… شيكات، أقساط، التزامات قديمة كان مأجلها وهو فاكر نفسه فوق الحساب. حاول يبيع شوية حاجات… عربية، ساعة، حتى بدلة كان بيعتز بيها… لكن كل ده ماكفّاش. الدنيا بدأت تضيق عليه بجد.

وفي ليلة، وهو قاعد لوحده في شقته الفاضية، بص حواليه واكتشف إنه لأول مرة… فعلاً لوحده. لا صوت، لا حد بيناديه، لا حد مستنيه. افتكر نوسة… مش وهي واقفة بالمريلة، لا… افتكرها وهي ساكتة زمان، وهي بتستحمل، وهي بتبص له بنظرة كان فاكرها ضعف… وابتدى يفهم.

أما نوسة… فكانت في عالم تاني تمامًا.

اليوم اللي حصل فيه الموقف، ماكانش نهاية قصتها… كان بداية مرحلة جديدة. قررت توسّع شغلها أكتر، وبدأت تدخل استثمارات جديدة، وفتحت فروع في أماكن مختلفة. لكن الأهم من ده كله… إنها بدأت تهتم بحاجة كانت دايمًا في قلبها: الناس اللي شبهها زمان.

عملت برنامج تدريب للشباب البسيط، خصوصًا البنات اللي ظروفهم صعبة… كانت بتدربهم بنفسها أحيانًا، تقف وسطهم، تشرح، وتديهم من خبرتها.

وكانت دايمًا تقول لهم: “أنا كنت مكانكم… والفرق الوحيد إنّي ما استسلمتش”.

مدحت، مدير الفندق، لاحظ التغيير ده وقال لها في مرة: “إنتي بقيتي مش بس ناجحة… إنتي بقيتي ملهمة”. ابتسمت نوسة وقالت بهدوء: “أنا بس بقيت نفسي”.

وفي يوم، وهي راجعة من اجتماع مهم، طلبت من السواق يغير الطريق… وقف قدام مكان صغير، كشك قهوة قديم في حارة شعبية. نزلت ومشيت شوية، لحد ما وصلت قدام بيت قديم… بيتها زمان. وقفت تبص عليه، والذكريات بترجع واحدة واحدة… صوت أبوها، ريحة الأكل، صوت الضحك البسيط.

همست لنفسها: “أنا وصلت يا بابا… زي ما كنت عايز”.

لكن الحياة… دايمًا بتحب تختبر الناس حتى بعد ما ينجحوا.

بعد فترة، جالها عرض شراكة كبير جدًا من مستثمر أجنبي… الصفقة كانت هتنقلها نقلة ضخمة، بس بشروط قاسية شوية على العمال والموظفين. مجلس الإدارة كان متحمس… الأرقام مغرية جدًا.

قعدت نوسة لوحدها تفكر… هل تختار المكسب السريع؟ ولا تفضل على مبادئها؟

وفي الاجتماع النهائي، الكل كان مستني قرارها… سكتت لحظة، وبعدين قالت بثبات: “الفلوس اللي تيجي على حساب الناس… مش مكسب. أنا برفض الصفقة”.

ساد الصمت… البعض اتفاجئ، والبعض اعترض… لكن هي كانت واثقة.

ومع الوقت… القرار ده خلا سمعتها تكبر أكتر، وثقة الناس فيها زادت، وجالها فرص أحسن بكتير… بشروط تناسبها.

أما عصام… فكان في قاع مختلف.

اضطر يشتغل شغلانات بسيطة عشان يعيش… وفي مرة، القدر حطه في موقف غريب جدًا. كان واقف قدام فندق… بيقدم على وظيفة.

نفس السلسلة.

إيده كانت بتترعش وهو بيملا الاستمارة… سأل نفسه: “يا ترى… هي موجودة؟”

دخل يعمل مقابلة… قلبه بيدق، عرقان، متوتر. لكن اللي قابله كان موظف عادي… بص في الورق، وقال له: “هنرد عليك”.

وهو خارج… لمحها من بعيد.

نوسة.

واقفة، واثقة، بتتكلم مع فريقها… نفس الهيبة، نفس الهدوء.

عيونه اتعلقت بيها… لكن المرة دي، ماقدرش يقرب. ماكانش عنده الجرأة… ولا الاستحقاق.

نوسة لمحته للحظة… عيونها قابلت عيونه… سكون بسيط حصل.

ولا ابتسمت… ولا غضبت.

بس كملت طريقها.

كأنها بتقول من غير كلام: “انتهيت”.

وفي اللحظة دي… عصام فهم.

مش كل

الخسارة فلوس… في خسارة اسمها “فرصة”… والفرصة دي لما بتروح، عمرها ما بترجع.

أما نوسة… فكانت ماشية لقدّام… دايمًا لقدّام… من غير ما تبص ورا.

تم نسخ الرابط