حكاية ياسين

لمحة نيوز

أنا ياسين 27 سنة بس الحقيقة إني اتولدت مرتين مرة يوم ما جيت الدنيا، ومرة تانية يوم ما كل حاجة في حياتي اتكسرت واترميت بره بيتي كأني ولا حاجة.
من 10 سنين، اللي حصل مش مجرد موقف وعدّى ده كان حكم إعدام اتنفذ في حقي وأنا حي. الليلة دي لحد النهارده محفورة في دماغي بكل تفاصيلها صوت الضحك، ريحة الفحم، نور اللمبات، وبعدين صوت واحد بس قلب كل حاجة ياسين هو اللي غصبني.
بعد اللي حصل في القسم وخروجي من غير تهمة، كنت فاكر إن الحقيقة هتظهر إنهم هيستوعبوا إن مفيش دليل، إن ابنهم مش ممكن يعمل كده بس اللي حصل كان أسوأ من الاتهام نفسه.
رجعت البيت تاني يوم وقفت قدام الباب وأنا مرعوب خبطت أبويا فتح بصلي بصه عمري ما هنساها، بصه فيها كره خالص قال لي بهدوء مرعب
إنت جاي تعمل إيه هنا؟
قلت له بصوت مكسور يا بابا أنا ماعملتش حاجة والله
مكملتش الجملة لأنه قفل الباب في وشي.
ساعتها فهمت أنا ماعدتش ليّا بيت.
قعدت يومين في الشارع من غير أكل تقريبًا من غير فلوس لحد ما واحد صاحبي من المدرسة، اسمه كريم، شافني بالصدفة أخدني عنده أهله وافقوا أقعد كام يوم الأيام دي بقت شهور والشهور بقت بداية حياة

جديدة.
اشتغلت أي حاجة جرسون، عامل مخزن، سواق أي شغل يجيب لقمة العيش. كنت بنام وأنا بعيط مش عشان الفقر عشان الإحساس إنك اتظلمت من أقرب ناس ليك.
السنة عدت واتنين وثلاثة ولا حد سأل فيا.
كنت بتابع أخبارهم من بعيد عرفت إن نورا أسقطت الحمل وإن الموضوع اتدفن محدش جاب سيرة تاني بس أنا؟ أنا كنت مدفون حي برا العيلة.
قسمت على نفسي ساعتها إني مش هرجع لهم غير لما أبقى حد حد يخليهم يندموا إنهم رموه.
اشتغلت ليل ونهار اتعلمت تجارة دخلت في شغل أونلاين خسرت كتير واتعلمت أكتر لحد ما ربنا فتحها عليا صفقة ورا صفقة سنة ورا سنة لحد ما بقي عندي شركة صغيرة وبعدين كبرت.
بعد 10 سنين بقيت أنا ياسين الهواري اللي الناس بتتكلم عنه مش الفلوس بس لكن الاسم الهيبة النجاح اللي طالع من تحت الصفر.
بس رغم كل ده جوايا حفرة عمرها ما اتمليت.
لحد اليوم اللي كل حاجة اتقلبت فيه.
كنت قاعد في مكتبي سكرتيرتي قالتلي
في واحدة بره عايزة تقابلك بتقول اسمها نورا.
الاسم وقع عليا زي الرصاصة.
قلت لها تدخل.
دخلت بس مش نفس البنت كانت مكسورة مرهقة عينيها فيها خوف مش طبيعي أول ما شافتني انهارت وقعت على الأرض وبتعيط
سامحني
يا ياسين أنا دمرتك
قلبي كان بيدق بعنف بس سكت سيبتها تتكلم.
حكت وكل كلمة كانت بتكسرني من جوا.
كنت عارفة إنك طيب وإنك مش هتعرف تدافع عن نفسك وإنهم هيصدقوني
كل كلمة كانت سكينة.
قالت إن الطفل مات قبل ما يتولد وإنها عاشت طول السنين دي بتتدمر وإنها حاولت تعترف أكتر من مرة بس كانت جبانة.
سكتت وبصت لي وقالت
أنا قلت لهم الحقيقة كلهم عرفوا وهم بره جايين لك
بصيت لها وكنت لأول مرة حاسس إني مش غضبان أنا فاضي مفيش حاجة.
قلت بهدوء
اطلعي بره.
خرجت وهي بتعيط.
بعد دقايق السكرتيرة دخلت تاني
في ناس كتير بره بيقولوا أهلك.
قمت ومشيت ناحية الباب.
فتحت ولقيتهم.
أبويا أمي أخويا كلهم واقفين بس مش زي زمان كانوا مكسورين.
أول ما شافوني أبويا قرب و لأول مرة في حياتي شفته بيعيط.
سامحني يا ابني إحنا ظلمناك
أمي وقعت على رجلي
حقك عليا أنا صدقت أنا أمك وصدقِت
أخويا واقف مش عارف يبص في عيني.
وقفت ساكت ببص لهم الناس اللي دمرتني والنهارده واقفين تحت رجلي زي ما هما شايفين.
لحظة واحدة كان ممكن أصرخ أو أنتقم أو أكسرهم زي ما كسروني.
بس أنا عملت حاجة تانية.
قلت بهدوء
أنا فعلاً متّ يوم الليلة دي واللي
واقف قدامكم ده مش ابنكم.
وبعدين ناديت الأمن.
لو سمحتوا وصلوهم بره.
وأنا داخل مكتبي سمعت صوت عياطهم بس المرة دي ما أثرش فيا.
يمكن أنا خدت حقي
بس الحقيقة؟
إن في حاجات حتى لما بتتصلّح عمرها ما بترجع زي الأول.
دخلت مكتبي وقفلت الباب ورايا، بس الصوت ما وقفش صوت عياطهم فضل يرن في وداني كأنه محبوس جوايا مش برا. قعدت على الكرسي وبصيت قدامي، نفس المكتب اللي بنيته بتعب سنين بس لأول مرة حسّيت إنه تقيل عليا.
حاولت أشتغل أفتح أي ملف أعمل أي حاجة بس إيدي كانت بتترعش. فجأة لقيت نفسي راجع 10 سنين لورا نفس الإحساس نفس الظلم نفس الوجع اللي كنت فاكر إني دفنته.
بعد حوالي نص ساعة، خبط خفيف على الباب.
ادخل.
كانت السكرتيرة، وشها متوتر
هم لسه واقفين تحت يا فندم رافضين يمشوا.
غمضت عيني لحظة وبعدين قلت
سيبيهم.
عدّى ساعتين وبعدين تلاتة وأنا كل شوية أبص من الشباك من غير ما أحس لقيتهم فعلاً واقفين أبويا قاعد على الرصيف أمي جنبه وأخويا واقف ساكت، مش عارف يعمل إيه.
مشهد كان كفيل يشق أي قلب بس قلبي؟ كان متخدر.
لحد ما حصل اللي ماكنتش متوقعه.
في آخر اليوم، وأنا نازل، الأمن قال لي
في شاب مستني
حضرتك بيقول اسمه كريم.
كريم؟
أول اسم حسّسني إني لسه إنسان.

تم نسخ الرابط