نور ما كانتش طول عمرها ضعيفة ولا عاجزة زي ما أهلها كانوا بيحبوا يصدقوا، هي بس كانت سايبة لهم المساحة يبانوا على حقيقتهم من غير ما تتدخل، ساكتة بتراقب، بتجمع كل كلمة اتقالت عليها وكل نظرة احتقار، وكل مرة اتحسبت فيها أقل من أختها، كأنها كانت بتخزن وجعها جواها لليوم اللي ترد فيه رد واحد يمسح كل اللي فات، وده اليوم جه أسرع مما هم كانوا يتخيلوا، لأن الحقيقة إن نور ما كانتش عايشة معاهم أصلاً بالشكل اللي هم فاهمينه، كانت عايشة حياتين، حياة البنت اللي نايمة في أوضة قديمة ومش لاقية تقدير، وحياة تانية محدش فيهم كان يعرف عنها حاجة، حياة بنت بدأت من الصفر وهي عندها 19 سنة لما رفضت تاخد فلوس من أبوها بعد أول خناقة كبيرة بينهم وقال لها وقتها إنها عبء عليه، خرجت يومها وهي معاها مبلغ صغير جداً، واشتغلت في أي حاجة، من شغل أونلاين بسيط لحد ما دخلت في مجال التسويق الرقمي، كانت بتنام ساعتين وتصحى تكمل، كانت بتتعلم لوحدها من غير ما حد يساعدها، كل خطوة كانت بتاخدها كانت بتبني بيها حاجة أكبر، لحد ما بقت بتدير حملات لشركات كبيرة وهي لسه محدش عارف اسمها الحقيقي، كانت بتستخدم اسم مستعار عشان تفضل
بعيدة عن أي حد ممكن يربطها بأهلها، ومع الوقت بدأت تدخل في شراكات، وبعدين أسست شركة صغيرة من غير ما تعلن عنها، كبرت الشركة بسرعة لأن شغلها كان مختلف، كانت بتفهم السوق كويس وبتاخد قرارات جريئة، ومع أول صفقة كبيرة ليها غيرت كل حاجة، بقى عندها رأس مال، وبدأت تشتري حصص في شركات تانية بشكل غير مباشر، وكل ده وهي لسه بترجع البيت كل يوم عادي، تسمع نفس الإهانات ونفس التقليل وكأنها ولا حاجة، بس كانت سايبة كل ده يعدي لأنها عارفة إن اللحظة اللي هتتكلم فيها هتقلب الموازين، كانت مستنية اللحظة اللي هم بنفسهم يوصلوا فيها لأقصى درجة من الاستهانة بيها، وده حصل لما رموها في الجراج، ساعتها بس قررت إن اللعبة خلصت، وإن وقت الكشف جه، عشان كده لما العربية وقفت قدام البيت ما كانش صدفة ولا مفاجأة بالنسبة لها، ده كان ترتيب دقيق، كانت عايزة اللحظة تبقى قدامهم كلهم، عايزة تشوف الصدمة في عيونهم، عايزة كل كلمة قالوها ترجع لهم في نفس اللحظة، ولما الراجل نزل وناداها بنور هانم وشافوا احترامه ليها، كل حاجة اتغيرت في ثانية، بس بالنسبة لنور ده كان مجرد بداية، ركبت العربية وسابتهم وراها واقفين مش فاهمين أي حاجة،
وراحت على الشركة اللي هي أصلاً مالكتها، وهناك كان في اجتماع مهم بخصوص صفقة استحواذ على مجموعة شركات، ومن ضمن الشركات دي كانت شركة عاصم، الراجل اللي كان واقف من شوية بيتريق عليها وبيقول لها تنام في الجراج، ما كانش يعرف إن شركته أصلاً بتغرق في ديون وإن في مستثمر غامض بيشتري حصص فيها من شهور، والمستثمر ده كان نور، لما دخلت الاجتماع كل الناس قامت وقفت، مش لأنها غنية بس، لكن لأنها كانت العقل المدبر لكل الصفقات اللي حصلت الفترة اللي فاتت، بدأت الاجتماع بهدوء، ووقعت العقود من غير أي تردد، وبكده بقت رسميًا المتحكمة في مصير شركة عاصم، وفي نفس الوقت كانت بتفكر في اللي هيعملوه أهلها بعد ما يفوقوا من الصدمة، وفعلاً بعد ساعات قليلة التليفون ما بطلش يرن، أمها كانت بتعيط وبتقول لها إنها كانت خايفة عليها، وأبوها بيحاول يتكلم بنبرة هادية لأول مرة في حياته، وشيري بتحاول تبرر اللي حصل وتقول إنها كانت بتهزر، لكن نور ما ردتش على حد فيهم، مش لأنها بتنتقم بالصمت بس، لكن لأنها عرفت إن أي كلمة منهم دلوقتي مش حقيقية، هي مجرد خوف من اللي بقت عليه، تاني يوم رجعت البيت بس مش كنور اللي كانت عايشة فيه،
رجعت كضيفة تقيلة، كل حاجة اتغيرت، نفس الناس بس بوجوه مختلفة، أبوها بيعرض عليها إنها تاخد أكبر أوضة في البيت، وأمها بتحاول تراضيها بأي طريقة، وشيري ساكتة لأول مرة، أما عاصم فكان أكتر واحد مرعوب، لأنه عرف إن مستقبله كله بقى في إيدها، نور دخلت وقعدت بنفس الهدوء، بصت لهم كلهم وقالت إن البيت ده عمره ما كان بيتها الحقيقي، وإنها كانت عايشة بينهم بس عشان تتأكد من حاجة واحدة، إنهم عمرهم ما هيشوفوها غير بعين التقليل، وده اللي خلاها تكمل لوحدها من غير ما تعتمد على حد فيهم، وقالت لهم إن اللي حصل مش انتقام، ده نتيجة طبيعية لاختياراتهم هما، لأنهم اختاروا يقللوا منها، فكبرت بعيد عنهم، اختاروا يكسروها، فبنت نفسها أقوى، وبعدين قامت ومشيت تاني، بس المرة دي من غير أي وجع، لأن كل حاجة كانت تقيلة عليها سابتها وراها، وبالنسبة لعاصم، وصل له قرار رسمي من الشركة بإنه هيتشال من منصبه بسبب سوء الإدارة، القرار كان موقع باسمها، نفس البنت اللي كان بيقول لها تنام في الجراج، وهنا فهم إن الموضوع ما كانش لحظة حظ ولا مفاجأة، دي كانت سنين من الصبر والتخطيط، نور ما رجعتش تاني تعيش معاهم، لكنها سابت لهم