جوزها رماها في الشارع
أنا نهى… ويمكن دي أول مرة أحكي حكايتي من غير ما أقطعها، من غير ما أخبي وجع، ومن غير ما أجمّل الحقيقة. الحكاية بدأت من سنين، يوم ما شفت علاء لأول مرة في معرض تصميمات كنت مشاركة فيه. كنت ساعتها مهندسة ديكور شغوفة، عندي أحلام أكبر من أي مساحة أقدر أصممها، وكان هو داخل بثقته المعتادة، لابس بدلة شيك، وكأنه مالك المكان واللي فيه. وقف قدام شغلي، بصلي وقال بابتسامة واثقة: “الذوق ده مش عادي… واضح إن وراه حد مش عادي.” ومن هنا بدأت الحكاية.
علاء كان بيعرف يقول الكلام اللي يدخل القلب بسهولة. خلاني أحس إني مميزة، إني مختلفة، إني الوحيدة اللي تستاهل تكون معاه. كان دايمًا يحكي عن طموحه، عن شركاته، عن أحلامه اللي مالهاش سقف. وأنا؟ صدقته… ووقعت في حبه من غير ما أفكر كتير. بعد سنة واحدة كنا متجوزين، وسيبت شغلي بإرادتي، أو يمكن مش بإرادتي الكاملة، لما قال لي: “أنا مش عايزك تتعبي… خليكي معايا، وأنا هخليكي تعيشي ملكة.” الكلمة دي كانت كفيلة تخليني أتنازل عن كل حاجة.
في الأول كان كل حاجة فعلاً زي الحلم. سفر، هدايا، بيت كبير، واهتمام يخلي أي واحدة تحس إنها محور الكون. بس مع الوقت، الحلم بدأ يتشقق… واحدة واحدة. علاء بدأ يتغير. بقى يحب يتحكم في كل حاجة: ألبس إيه، أخرج مع مين، أكلم مين، وحتى أفكر إزاي. لو اعترضت، يقول: “أنا عارف مصلحتك
أمه دخلت حياتنا تدريجيًا، وبهدوء ظاهري، لكن تأثيرها كان زي السم البطيء. كانت دايمًا تقلل مني، تلمّح إني أقل من ابنها، إني محظوظة بيه زيادة عن اللزوم. وعلاء؟ كان دايمًا في صفها. لو اشتكيت، يقول: “دي أمي… استحمليها شوية.” الشوية دي اتحولت لسنين.
كنت كل يوم بفقد جزء مني… لحد ما بقيت نسخة باهتة من نفسي. بس رغم كده، كنت متمسكة بالجواز، بالبيت، بالذكرى الحلوة اللي كنت فاكرة إنها لسه موجودة.
لحد اليوم اللي كل حاجة فيه انتهت.
كان يوم عادي… أو أنا كنت فاكرة كده. خرجت من الحمام، لسه لابسة فوطة، وسمعته بينادي عليّ بصوت فيه توتر غريب. دخلت الصالة، لقيته واقف، ملامحه مش طبيعية.
قال: “نهى، الموضوع خلص. أمي هتيجي تعيش معانا الأسبوع الجاي.”
قلبي اتقبض… بس المرة دي ما سكتش.
قلت له: “أنا مش موافقة يا علاء. أنا تعبت… وجودها هيهد اللي باقي بينا.”
بصلي بنظرة عمري ما شوفتها قبل كده، وقال: “أنتي بتحديني؟”
رديت وأنا برتعش بس ثابتة: “أنا بدافع عن نفسي.”
اللحظة اللي بعدها كانت كأنها انفجار. صوته علي، إيده اترفعت… والقلم نزل على وشي. الدنيا سكتت حواليّ، وأنا مش مصدقة اللي حصل. قبل ما أستوعب، مسكني من دراعي، جرّني لحد الباب، فتحه بعنف، ورماني برا.
الباب اتقفل في وشي…
المطر كان بينزل بغزارة، بس ولا نقطة كانت تقارن بالبرد اللي حسيت بيه جوايا. وقفت مش قادرة أتحرك، ولا حتى أبكي. كنت بحاول أفهم… إزاي الإنسان اللي حبيته بالشكل ده، قدر يرميّ كده؟
وفجأة… سمعت باب عربية بيتفتح.
رفعت عيني، لقيت أخويا مازن نازل من عربيته، وشه كله غضب، وعينيه مولعين. جري عليّ، شال الجاكيت بتاعه وغطاني بيه، وبعدها حضني بقوة.
قال بصوت مكسور وغاضب: “أنا شوفت كل حاجة… والله ما هسيبه.”
أنا كنت لسه مش قادرة أتكلم، بس حسيت لأول مرة إني مش لوحدي.
مازن لف ناحية البيت، وخبط على الباب بعنف. بعد ثواني، علاء فتح وهو متضايق، بس أول ما شاف مازن… لونه اتغير.
علاء حاول يتكلم: “مازن بيه… أنا…”
مازن قاطعه بصوت حاد: “اسكت. إنت فاكر نفسك مين؟!”
علاء كان بيرتعش، مش من الخوف بس… من الصدمة. لأن الحقيقة اللي طول عمره بيهرب منها ظهرت فجأة: هو مجرد موظف عند أخويا.
مازن قال له ببرود: “من اللحظة دي… إنت مرفود. وكل المشاريع اللي باسمك، هتتسحب منك. والفيلا دي؟ مش بتاعتك… دي كانت هدية مني لأختي. والنهارده… إنت اللي هتطلع منها.”
علاء حاول يبرر، يتكلم، يعتذر… بس خلاص، الكلمة راحت منه للأبد.
أنا كنت واقفة ورا مازن، لسه بترعش، بس لأول مرة من سنين… حسيت بقوة بترجع لي.
سيبت
الأيام اللي بعدها كانت صعبة… مش هكدب. الرجوع لنقطة الصفر عمره ما بيكون سهل. بس يمكن الصفر ده كان أنضف وأصدق من الحياة اللي كنت فيها.
رجعت لشغلي، وبدأت من جديد. كل خطوة كانت وجع، بس كانت حقيقية.
أما علاء؟ فالحياة علمته درس عمره ما هينساه. سمعنا بعد كده إنه خسر كل حاجة تقريبًا… والناس اللي كان فاكرهم حواليه، اختفوا.
وأنا؟
أنا اتعلمت إن الكرامة مش رفاهية… دي الأساس. وإن اللي يقبل يتكسر مرة، هيعيش مكسور طول عمره.
واللي حصل لي… مكانش نهاية… كان بداية.
كنت فاكرة إن الحكاية خلصت عند اللحظة اللي خرجت فيها من بيته، بس الحقيقة إن اللي حصل بعد كده كان أصعب… وأعمق… ويمكن أهم.
رجوعي مع مازن ماكنش مجرد “هروب” من موقف، كان بداية مواجهة مع نفسي. أول ليلة قضيتها في بيت أخويا، ما نمتش. كنت قاعدة على السرير، لابسة هدوم دافية، بس برد جوايا مش راضي يروح. كل تفصيلة عدت قدام عيني… أول مرة قال لي “بحبك”… أول مرة حسيت إنه سند… وكل مرة بعدها كسرني وأنا بسامح.
مازن دخل عليّ بهدوء، حط كباية شاي جنبي وقال:
— “مش عايزك تفكري إنك ضعيفة… اللي عملتيه النهارده محتاج قوة مش أي حد عنده.”
بصيت له ودموعي نزلت من غير صوت:
— “أنا اللي سمحت له يوصلني لكده… أنا اللي سكت.”
هز راسه وقال بحزم:
— “لا…
الكلام ده فضل يرن في ودني أيام… يمكن أسابيع.