جوزها رماها في الشارع
بدأت أرجع لشغلي واحدة واحدة. في الأول كنت تايهة… حاسة إني غريبة عن المكان اللي كان يومًا عالمي. زملائي كانوا بيبصوا لي بنظرات فيها شفقة، أو فضول، أو حتى حكم. بس مع الوقت، بدأت أرجع “نهى” اللي كنتها… يمكن أقوى كمان.
اشتغلت على أول مشروع ليا بعد الانفصال كأنه مسألة حياة أو موت. كل تفصيلة كنت بحط فيها جزء من وجعي… وكل نجاح صغير كان بيرجع لي ثقة كنت فاكرة إنها ضاعت.
في نفس الوقت، علاء ما اختفاش من حياتي زي ما كنت متخيلة.
في يوم، لقيت رقم غريب بيرن. رديت… وسكتت لما سمعت صوته.
— “نهى… ممكن نتكلم؟”
الصوت اللي كان زمان بيهزني، المرة دي حسيت تجاهه بشيء غريب… مش كره، مش حب… حاجة أقرب للفراغ.
— “عايز إيه يا علاء؟”
سكت
— “أنا غلطت… وغلطت جامد. إديني فرصة أصلح.”
ضحكت… بس كانت ضحكة مرّة:
— “تصلح إيه؟ الكرامة لما بتتكسر، مش بتتلزق.”
حاول يضغط، يستعطف، حتى يلومني بطريقة غير مباشرة:
— “إنتي برضه كنتي بتستفزيني…”
وقفتُه فورًا:
— “لا… المرة دي مش هتلبسني غلطك. أنا كنت بدافع عن نفسي… وإنت اخترت تهينني.”
قفلت السكة… وإيدي كانت بترتعش، بس قلبي لأول مرة كان ثابت.
بعدها بكام يوم، عرفت من مازن تفاصيل أكتر عن اللي حصل له. خسر شغله فعلًا، واتفضح قدام ناس كتير. سمعته اتأثرت، وشركاؤه بدأوا يسحبوا نفسهم منه. علاء اللي كان شايف نفسه “فوق الكل”، لقى نفسه فجأة لوحده.
بس المفاجأة الأكبر جت بعدها بشهر.
كنت في موقع شغل،
كان علاء.
قرب بحذر، وكأنه خايف أقوله امشي.
— “كنت مستنيكي تخلصي شغل…”
بصيت له من فوق لتحت… الشخص اللي كان دايمًا مهتم بمظهره، بقى شكله مرهق، عينه فيها انكسار واضح.
— “إيه اللي جابك هنا؟”
قال بهدوء غريب:
— “جاي أعتذر… مش عشان نرجع… بس عشان أرتاح.”
سكتت… وسبته يتكلم.
— “أنا خسرت كل حاجة… بس عرفت إني كنت خسران أهم حاجة من زمان… إنسانيتي. كنت فاكر القوة هي السيطرة… بس طلعت ضعف.”
كلامه كان صادق… أو على الأقل طالع من وجع حقيقي.
بصيت له وقلت:
— “أنا مسامحاك… بس مش هرجع. التسامح مش معناه إنك ترجع لنفس المكان اللي اتكسرت فيه.”
هز راسه، وكأنه كان
— “أنا فاهم… ويمكن ده اللي أستاهله.”
ومشي.
الموقف ده فضل جوايا فترة… خلاني أفكر كتير. مش فيه هو… في نفسي. في الرحلة اللي عدّيت بيها. في البنت اللي كانت بتسكت، والست اللي بقت تعرف تقول “لأ”.
بدأت أركز على حياتي أكتر. اشتغلت على نفسي، سافرت في شغل، دخلت مشاريع أكبر. اسمي بدأ يكبر تاني… بس المرة دي، كان باسمي أنا… مش كـ “مرات علاء”.
ويمكن أهم حاجة حصلت… إني بقيت مرتاحة مع نفسي.
ما بقيتش محتاجة حد يثبت لي قيمتي… ولا حد يقول لي إني أستاهل.
أنا عرفت ده لوحدي.
وفي يوم، وأنا واقفة قدام مراية في شقتي الجديدة، افتكرت الليلة اللي اتطردت فيها بالفوطة… وقارنتها باللحظة دي.
ابتسمت.
مش شماتة… ولا نسيان… بس رضا.
لأن النهاية الحقيقية للحكاية… ما كانتش لما علاء خسر.
كانت لما أنا كسبت نفسي.