كانت صعبة عليهم، أمي اضطرت تعيش في شقة إيجار في منطقة شعبية، لأول مرة تحس بإحساس الناس اللي كانت بتحتقرهم، وبدأت تدريجيًا تتغير، الذل اللي شافته كسر فيها حاجات كتير، أما سلوى فسرها اتكشف، كانت بتستغل الصندوق الاستئماني من زمان، بتسحب فلوس بطرق ملتوية بموافقة ضمنية من أمي، وبتصرفها على مظاهرها، التحقيقات فضحت كل حاجة، وخسرت كل شيء تقريبًا… نور؟ كانت أصعب واحدة فيهم، لأنها كانت المجروحة بجد، بنت صغيرة قلبها اتكسر بسبب كلمة، بسبب ضحكة، بسبب إن حد حسسها إنها أقل، في الأول كانت رافضة حتى تسمع اسم جدتها، لكن مع الوقت، ومع محاولات أمي الصادقة إنها تصلح غلطها، بدأت نور تلين شوية، مش سامحتها بسرعة، ولا بسهولة، بس ابتدت تفهم إن في ناس بتغلط وبتتغير… وفي يوم، بعد شهور، نور راحت حضنت جدتها فجأة، من غير كلام، كانت لحظة صغيرة لكنها كانت بداية جديدة… وأنا؟ اتعلمت إن السكوت مش دايمًا قوة، وإن في لحظة لازم الواحد يقف ويدافع، مش بس عن نفسه، لكن عن كرامة اللي بيحبهم، لأن الكرامة لو راحت… مفيش حاجة بعدها بتتعوض.
مرت شهور على اللي حصل، والهدوء اللي رجع لحياتي أنا ونور ما كانش هدوء عادي، كان هدوء بعد عاصفة كسرت ناس وبنت ناس من جديد، أنا بقيت أكثر قوة
ووعي، ونور بقت أكثر نضجًا رغم صغر سنها، لكن اللي ما كنتش متوقعاه إن القصة لسه مخلصتش، وإن الماضي كان لسه مخبي لنا مفاجآت تقيلة… في يوم وأنا قاعدة براجع شغل على اللابتوب، جالي اتصال من رقم غريب، رديت بحذر، الصوت كان رسمي وقال لي إن فيه تطورات جديدة في قضية الصندوق الاستئماني، قلبي دق بسرعة، سألته فيه إيه، قال لي إن التحقيقات كشفت تحويلات مالية كبيرة تمت على مدار سنين، مبالغ أكبر بكتير من اللي كنا نعرفه، والأخطر إن جزء منها ما راحش بس لمصاريف شخصية، لكن اتحول لحسابات خارجية باسم حد تالت… اسم ما كانش غريب عليا، لكنه كان صادم: طليقي… حسيت الدم بيجري في عروقي بسرعة، الدنيا رجعت تلف بيا، إزاي؟ وإمتى؟ وإيه علاقته بسلوى وأمي؟! قفلت المكالمة وأنا مش قادرة أستوعب، لكن ما استنيتش، لبست بسرعة ونزلت على مكتب المحامي، وهناك الحقيقة بدأت تتكشف واحدة واحدة، سلوى ما كانتش بس بتستغل الفلوس لنفسها، كانت جزء من شبكة أكبر، وطليقي كان على علم بكل حاجة، بل وكان بيستفيد، كان فيه اتفاق بينهم من وقت جوازي، استغلال غير مباشر للصندوق عن طريق أمي اللي كانت بتثق فيهم أو يمكن بتتغافل، الصدمة كانت تقيلة، مش بس خيانة، دي كانت سرقة وتخطيط طويل، كل حاجة كنت فاكرة إنها
انتهت رجعت تتفتح تاني… خرجت من المكتب وأنا مش شايفة قدامي، لكن لما رجعت البيت ولقيت نور بتجري عليا وتحضني، حسيت إن عندي سبب أواجه، مش هسمح لحد تاني يكسرنا… الأيام اللي بعدها كانت مليانة مواجهات، طليقي حاول يتواصل، في الأول بأسلوب هادي وكأنه بيحاول "يفهم"، بعدين بدأ يضغط ويهدد، لكن أنا كنت غير زمان، كل رسالة، كل مكالمة، كانت بتتوثق، وكل خطوة كانت محسوبة، القانون اللي كنت بخدمه بقى سلاحي، وسلوى؟ انهارت تمامًا، التحقيقات شدت عليها، واعترفت بتفاصيل أكتر، حكت عن إزاي الطمع بدأ صغير وكبر، وإزاي أمي كانت شايفة وبتسكت عشان "المنظر" يفضل محافظ على بريقه، لكن البريق ده اتحول لرماد… أمي نفسها كانت في وضع صعب، مش بس خسرت الفلوس والفيلا، دي كمان خسرت صورتها قدام نفسها، بقت ست تانية خالص، بسيطة، ساكتة، فيها كسر واضح، لكنها بدأت تحاول، كانت بتيجي تزورنا كل أسبوع، مش بهدايا غالية ولا بكلام كبير، لكن بأفعال صغيرة، تطبخ لنور، تقعد معاها، تحكي لها حكايات، في الأول نور كانت بتتعامل بحذر، لكن مع الوقت بدأت تفتح قلبها شوية شوية… وفي وسط كل ده، جاتني فرصة غيرت مسار حياتي بالكامل، المكتب اللي بشتغل فيه عرض عليا ترقية كبيرة، شراكة جزئية، بعد ما شافوا شغلي
في القضية وتعاملاتي، كانت فرصة عمري، بس كانت محتاجة مجهود أكبر ووقت أطول، فكرت كتير، خوفت على نور، لكن لما سألتها، بصت لي بابتسامة وقالت: "أنا فخورة بيكي يا ماما"، الكلمة دي كانت كفاية… بدأت حياة جديدة، شغل جديد، مسؤوليات أكبر، لكن لأول مرة حسيت إني ببني حاجة ليا بجد، مش بس بعيش يوم بيوم… القضية أخدت شهور، وفي النهاية الحكم جه، طليقي اتحاسب على التورط المالي، وسلوى خدت حكم مخفف بعد تعاونها، وأمي خرجت من كل ده بدرس عمرها ما هتنساه، أما أنا، أخدت حقي كامل واستعدت السيطرة على كل حاجة تخصني وتخص بنتي… لكن أهم لحظة ما كانتش في المحكمة، كانت في يوم بسيط جدًا، لما نور رجعت من المدرسة شايلة شنطتها القديمة، وقالت لي: "ماما، ممكن نصلح الجاكيت اللي شبه بتاعي؟ حتى لو مش هو، عايزة واحد زيه"، ابتسمت لها وقلت طبعًا، ورحنا سوا نشتري قماش ونفصل جاكيت جديد، ولما لبسته وقفت قدام المراية ولفت حوالين نفسها وقالت: "ده أحلى من القديم كمان"، في اللحظة دي عرفت إننا كسبنا بجد… كسبنا نفسنا، كرامتنا، وقلب صغير كان ممكن ينكسر للأبد لكنه اختار يسامح ويتعافى… الحياة ما بترجعش زي الأول، لكنها أحيانًا بتبقى أحسن، لو الواحد عرف إمتى يقف، وإمتى يواجه، وإمتى يبدأ من
جديد.