حكاية بدرية
ماما.. أنا بردان قوي.
الكلمة خرجت من شفايف بودي وهو بيرتعش تحت بطانية خفيفة مش قادرة تحميه من برد الأوضة اللي السقف فيها بينقط مية، وكل نقطة بتنزل كأنها بتدق في قلب بدرية. وقفت قدامه عاجزة، لا معاها فلوس لدكتور، ولا دواء، ولا حتى لقمة تسنده. الدنيا ضاقت بيها لدرجة إنها باعت كل حاجة تملكها، من دهب أمها لساعة أبوها، وحتى هدوم العيد وكل مرة كانت تقول دي آخر مرة، لكن مفيش حاجة كانت بتكفي.
في الليلة دي، بدرية قررت إنها مش هتستنى الموت يدخل عليهم، سابت بودي وأخته ليلى عند جارتها، ونزلت القاهرة تدور على أي فرصة. مشت في الشوارع ساعات طويلة، لحد ما وقفت قدام كافيه في الزمالك، والناس جواه بتضحك وبتاكل أكل تمنه يعيشها شهر. حسّت ساعتها إن الفارق بينها وبينهم مش فلوس وبس ده حياة كاملة اتسحقت منها.
سمعت صدفة ست بتتكلم عن شغلانة رعاية راجل مشلول، المرتب كبير، لكن محدش بيستحمل. بدرية ما فكرتش، دخلت فورًا وطلبت الشغل، ومن غير خبرة ولا أي حاجة، بس بإصرار أم هتموت لو ما أنقذتش عيالها.
تاني يوم، وقفت قدام قصر ضخم،
قربت منه بدرية بخوف وقالت مساء الخير يا فندم أنا بدرية.
ردش، بس نظرته كانت كفاية تخليها تتجمد مكانها.
وفي لحظة، عينها وقعت على صورة جنب السرير راجل واقف جنب عربية وشه واضح نفس الوش اللي قدامها ونفس العربية ونفس الرقم.
الدنيا لفت بيها ووقعت على الأرض وهي بتصرخ.
لأنها افتكرت.
افتكرت الليلة اللي جوزها مات فيها قدام عينيها لما عربية مسرعة خبطته وهربت، وسابت بدرية أرملة ومعاها طفلين، ومن ساعتها حياتها انهارت. كانت فاكرة إن اللي خبطه شاب غني وسكران، محدش قدر يوصله، القضية اتقفلت، وهي فضلت تدفع تمن غلطة مش بتاعتها.
والنهاردة نفس الشخص هو اللي نايم قدامها، عاجز، ومحتاجها.
بدرية فاقت وهي في أوضة الخدم، المديرة بتبص لها بحدة لو مش هتستحملي امشي دلوقتي.
بدرية سكتت، بس جواها كان في نار بتاكلها انتقام؟ ولا فرصة ربنا بعتها؟
رجعت تشتغل.
إياد كان قاسي، لسانه جارح، بيرفض أي حد يقرب منه، وكل يوم كان بيحاول يكسرها بكلامه. بس بدرية استحملت مش علشانه، علشان عيالها وعلشان حاجة تانية بدأت تكبر جواها.
في يوم، وهي بتساعده، قالها بسخرية إنتي ليه لسه هنا؟ كل اللي قبلك هربوا.
بصت له وقالت بهدوء علشان أنا مش زيهم.
من يومها، بدأ يلاحظها صبرها، سكوتها، نظرتها اللي فيها حاجة غريبة.
ومع الأيام، بدأ يتغير مش كتير، بس كفاية إنه يبطل يهينها كل دقيقة وبقى يسألها عن حياتها.
وفي يوم، سألها إنتي متجوزة؟
قالت كنت جوزي مات في حادثة.
سكت لحظة وبعدين قال بصوت خافت الحوادث بتاخد ناس كتير من غير ذنب.
بدرية قلبها وجعها بس ما قالتش الحقيقة.
ليلة من الليالي، بدرية دخلت عليه لقيته بيعيط لأول مرة تشوفه كده.
قالها بصوت مكسور أنا كنت إنسان وحش عملت حاجات كتير غلط يمكن اللي حصل لي عقاب.
بدرية وقفت قدامه الفرصة قدامها تقول الحقيقة تقوله إنه هو اللي قتل جوزها إنه هو السبب في كل اللي حصلها.
بس سكتت.
ليه؟ حتى هي ما كانتش فاهمة.
بعد شهور، إياد بدأ يعتمد عليها
وفي يوم، طلب منها تجيب ملف من درج مكتبه وهي بتدور، لقت ملف قديم فتحتُه لقت تقرير الحادثة.
نفس الحادثة.
اسم السواق إياد.
مكتوب إنه كان سكران وإنه دفع فلوس عشان يقفل القضية.
الورق وقع من إيديها وكل حاجة بانت قدامها بوضوح.
رجعت له قلبها بيدق عيونها مليانة دموع.
قالها في حاجة؟
قالت بصوت مرتعش إنت فاكر حادثة من سنين خبطت فيها راجل؟
سكت وشه اتغير وبص بعيد فاكر وعمري ما نسيت بس ما عرفتش أوصل لأهله.
بدرية صرخت أنا أهله! أنا مراته!
الصمت ملأ الأوضة نظرة الرعب في عينيه كانت صادقة أول مرة تشوفه ضعيف بالشكل ده.
قال بصوت مكسور أنا أنا السبب؟
قالت وهي بتبكي أنت دمرت حياتي شردتني أنا وعيالي.
إياد دموعه نزلت اقتليني أو امشي بس أنا أستاهل كل حاجة.
بدرية وقفت الفرصة قدامها تنتقم تسيبه يموت بالبطيء أو تفضحه أو حتى تمشي وتسيبه لوحده.
لكنها افتكرت بودي وهو بيقول أنا بردان وافتكرت ليلى وافتكرت سنين الوجع.
وقررت.
قالت بهدوء أنا مش هقتلك أنا هفضل هنا وهخليك تعيش كل يوم