أنا ياسين، الراجل اللي الناس كلها كانت شايفاه ناجح ومفيش حاجة تهزه، لكن في لحظة واحدة بس، كل حاجة جوايا اتهدت واتكسرت لما فتحت باب المطبخ القديم وشفت مراتي كريمة بالشكل ده… اللحظة دي رجعتني لورا سنين، لأول يوم شوفتها فيه، يوم ما كنت رايح مشروع صغير في قرية نائية، وشوفتها واقفة بتبيع لبن وبتضحك للناس ببساطة تخطف القلب، ساعتها حسيت إني لأول مرة شايف حد صافي بجد، مش زي العالم اللي أنا فيه، كله مصالح وأقنعة، قربت منها واتكلمنا، ومن يومها وأنا بقيت أروح المكان ده بحجة الشغل بس عشان أشوفها، لحد ما قررت أتجوزها رغم اعتراض أمي نيرمين اللي شافت إن جوازي منها إهانة ليها ولمستوانا، وأختي شاهيناز اللي كانت بتبص لها من فوق لتحت كأنها ولا حاجة، لكني وقتها كنت واثق إن الحب هيغلب أي حاجة، وعديت الأيام وكريمة حاولت بكل طاقتها ترضيهم، تخدمهم، تلبس زيهم، تتكلم بطريقتهم، لكن عمرهم ما شافوها غير “الفلاحة” اللي دخلت بيتهم، وأنا كنت مشغول دايمًا، شغل وصفقات وسفر، لحد ما جات فرصة لندن، وكنت شايفها نقلة كبيرة لينا، وهي بنفسها شجعتني أسافر وقالتلي “روح يا ياسين، أنا مستنياك ترجع وأنا فخورة بيك”، سبت لها فلوس تكفيها عمر، ووصيت أمي عليها قدام عينيها، بس واضح إني كنت ساذج، أول شهرين كنت بكلم كريمة يوميًا، كانت دايمًا تقول إنها بخير، صوتها هادي بس فيه حاجة مكسورة، وأنا كنت بحاول أقنع نفسي إنها وحشة الغربة، بعدها بدأت مكالماتها تقل، وأمي كانت دايمًا تقوللي “مراتك مدلعة وعايشة ملكة، متقلقش”، لحد ما في مرة كريمة ردت عليا بصوت واطي جدًا وقالت “أنا كويسة يا ياسين، بس ارجع بسرعة”، وقطع الاتصال فجأة، حاولت
أكلمها تاني مفيش رد، سألت أمي قالتلي “الموبايل بايظ”، ووقتها حسيت بقلق بس رجعت دفنته في الشغل، لحد ما خلصت قبل المعاد ورجعت عشان أفاجئها، لكن اللي شفته ماكانش مفاجأة… كان كابوس، لما وقفت قدامها وهي بترتعش وبتخبي الطبق، قلبي اتقبض بطريقة عمرها ما حصلت، قربت منها ببطء وركعت قدامها، قلت “مين عمل فيكي كده؟”، لكنها بدل ما تشتكي، مسكت إيدي وبصتلي بعين مليانة خوف وقالت “متزعلش منهم يا ياسين”، الكلمة دي كانت زي النار، إزاي بعد كل ده لسه بتدافع عنهم؟ قمت وأنا دمي بيغلي وطلعت على السفرة، كلهم كانوا بيضحكوا، أول ما شافوني سكتوا، أمي قامت وقالتلي “يا حبيبي جيت بدري ليه؟”، لكني ما رديتش، قلبت الترابيزة عليهم، الأكل وقع على الأرض، والصوت اتغير، شاهيناز صرخت، وأنا بصيت لأمي وقلت “مراتي كانت بتاكل من زبالة الكلاب ليه؟”، في اللحظة دي بس شفت الخوف في عينيهم، حاولوا يلفوا ويدوروا، لكني ما سكتش، رجعت لكريمة وجبتها بإيدي، طلعتها قدامهم، وقلت “دي ست البيت، مش خدامة عندكم”، أمي وقتها اتغيرت وقالت بجفاء “اسأل مراتك هي ليه ساكتة”، بصيت لكريمة، وكانت اللحظة اللي كل حاجة اتكشفت فيها، كريمة قالت بصوت مكسور “كانت مهدداني يا ياسين… قالتلي لو فتحت بقي هتقولك الحقيقة… الحقيقة اللي أنا خبيتها عنك من يوم جوازنا”، قلبي وقف، قلت “حقيقة إيه؟”، دموعها نزلت وقالت “أنا قبل ما أعرفك كنت مخطوبة… والراجل ده سابني بعد ما عرف إني مش بخلف بسرعة… أمك عرفت، وقالتلي لو مقولتش لك هتفضحني وتقولك إني كنت متجوزة عرفي وكدبت عليك”، حسيت الأرض بتميد بيا، بصيت لأمي، لقيتها واقفة بثقة، وكأنها كسبت، لكن الغريب إن قلبي ما اهتمش، كل
اللي شفته قدامي هو كريمة وهي مكسورة بسببي، أنا اللي سيبتها لوحدها، أنا اللي وثقت في ناس عمرهم ما كانوا أهل للثقة، قربت منها ومسحت دموعها وقلت “حتى لو كنتي متجوزة قبلي عشر مرات… ده ماضي، وأنا اخترتك إنتي”، أمي صرخت وقالت “يعني هتصدقها وتكذبنا؟”، بصيت لها بهدوء غريب وقلت “أنا مش محتاج أصدق… أنا شوفت بعيني”، وبعدها أخدت قرار ما توقعتش إني آخده في يوم، قلت لهم “من النهاردة، مفيش حد فيكم ليه مكان هنا”، حاولوا يهددوا ويصوتوا، لكني كنت خلصت، نقلت كريمة المستشفى، كانت حالتها سيئة جدًا، سوء تغذية وإرهاق، فضلت جنبها أيام لحد ما بدأت تفوق، وكل يوم كانت بتعتذر، وأنا كل يوم كنت بندم أكتر إني ما كنتش معاها، وبعد ما خرجت، ما رجعناش الفيلا، بعناها، وبدأنا حياة جديدة بعيد عن كل ده، في بيت أصغر، بس فيه راحة، كريمة رجعت تضحك تاني، ببطء، وأنا لأول مرة فهمت إن النجاح مش فلوس ولا شركات، النجاح إنك تحمي اللي بتحبه، أما أمي وشاهيناز، حاولوا يرجعوا كتير، لكن في حاجات لما تتكسر، ما بترجعش زي الأول، واللي حصل بينهم وبين كريمة كان كسر من النوع اللي ملوش تصليح، أما أنا، فكل يوم بصحى وأفتكر المشهد ده… وأوعد نفسي إني عمري ما هسمح لحد يكسرها تاني، مهما كان مين.
بعد ما خرجنا من المستشفى، كنت فاكر إن أصعب حاجة عدّت، وإن اللي جاي هيكون أهدى… لكن الحقيقة إن اللي حصل كان مجرد بداية لحكاية تانية أقسى بكتير، لأن الجروح اللي بتتفتح جوه البني آدم مش بتقفل بسهولة، خصوصًا لما يكون سببها أقرب الناس ليه، كريمة كانت ساكتة أغلب الوقت، بتتكلم قليل، وبتصحى من النوم مفزوعة كأنها لسه عايشة نفس الكابوس، وأنا كنت بحاول أكون
جنبها بكل الطرق، لكن جوايا أنا كمان كان في نار مش عارف أطفيها، إحساس بالذنب بيطاردني في كل لحظة، كل مرة أبص لها وهي بتاكل بهدوء قدامي، أتخيلها وهي قاعدة على الأرض بتاكل بواقي، فإيدي ترجف وقلبي يوجعني كأني أنا اللي عملت فيها كده بإيدي، حاولت أعوضها، خرجنا، سافرنا يومين بعيد عن أي حد، اشتريت لها هدوم جديدة، حاولت أرجع لها إحساسها بنفسها، لكنها كانت بتبتسم ابتسامة خفيفة وترجع تسكت تاني، لحد ما في يوم وهي قاعدة قدامي قالتلي بصوت هادي بس فيه قرار “ياسين… أنا مش عايزة أهرب من اللي حصل… أنا عايزة آخد حقي”، الجملة دي وقفتني، لأنها أول مرة أشوف في عينيها القوة بالشكل ده، سألتها “هتاخدي حقك إزاي؟”، بصتلي وقالت “بالقانون… وبالحقيقة اللي هما فاكرين إنها سلاحهم”، وقتها بدأت تحكيلي كل حاجة بالتفصيل، إزاي من أول أسبوع بعد سفري، أمي بدأت تضغط عليها، في الأول كانت مضايقات بالكلام بس، تريقة وتقليل، بعدين منعتها تستخدم المطبخ الرئيسي، وبعدها قفلت عليها الجناح، وسحبت منها الكروت البنكية بحجة “الأمان”، وكل مرة كريمة كانت تحاول تكلمني، كانوا ياخدوا منها الموبايل أو يقفلوا الخط، ولما اعترضت، أمي واجهتها بالماضي اللي كانت مخبياه، وهددتها إنها هتدمر جوازنا لو فتحت بقها، وفضلت تضغط عليها لحد ما كسرتها، بس كريمة رغم ضعفها، عملت حاجة أنا ما كنتش متوقعها، كانت بتسجل… كل كلمة، كل تهديد، كل مرة كانت بتتذل فيها، كانت مخبية موبايل قديم في المطبخ، تسجل وتحوش، لحد ما بقى عندها دليل كامل على كل اللي حصل، لما سمعت التسجيلات، حسيت الدم بيغلي في عروقي، صوت أمي وهي بتقول لها “انتي هنا خدامة مش أكتر”، وصوت شاهيناز
وهي