قصة كاملة ل نور محمد

لمحة نيوز

وأنا حاضنة زين، إيدي بتترعش وقلبي بيدق بعنف، وهو متعلق في رقبتي كأنه خايف أختفي. صوتها وهي بتصرخ من جوه الشقة كان لسه بيرن في وداني مش هتاخديه مني ده ابني! الجملة دي فضلت محفورة جوايا، مرعبة وموجعة في نفس الوقت.
الضابط حاول يهديني، سألني شوية أسئلة، لكن أنا كنت شبه غايبة عن الوعي كل اللي كنت شايفاه قدامي هو ابني، ووشه اللي اتغير في الأيام اللي فاتت، ونظرته اللي ما كانتش شبهه. أخدت زين ونزلت على شقتي، قفلت الباب بالمفتاح، وسندت ضهري عليه وأنا بنهار. فضلت أعيط وهو في حضني، وهو كمان بدأ يعيط من غير ما يفهم ليه، كأن الخوف انتقل له من غير كلام.
الليلة دي ما نمتش. كل ما أغمض عيني كنت بشوفها ابتسامتها، السرنجة، الباسبور اللي عليه صورة ابني باسم تاني حسيت بذنب رهيب، إزاي سمحت لحد يقرب من ابني بالشكل ده؟ إزاي ما خدتش بالي؟ لكن في نفس الوقت، كنت عارفة إن اللي حصل أكبر من مجرد غفلة الست دي كانت بتخطط
من بدري، بهدوء وصبر مخيف.
تاني يوم، جالي استدعاء أروح القسم أدي أقوالي بشكل رسمي. أخدت زين معايا، وكنت ماسكة إيده بقوة كأني خايفة حد يخطفه من وسط الناس. لما دخلت، لقيتها هناك مدام صفاء قاعدة هادية جداً، لابسة نفس الهدوم، وشعرها متظبط، وكأن مفيش حاجة حصلت. أول ما شافت زين، عينيها لمعت، وابتسمت نفس الابتسامة بس المرة دي كان فيها شوق موجع.
صرخت وأنا بشده ناحيتي بلاش تبصي له كده! الضابط تدخل بسرعة، وأمر إنها تتاخد بعيد. لكن قبل ما تخرج، قالتلي بصوت واطي جداً، كأنها بتهمس في روحي هو هيرجعلي عاجلاً أو آجلاً.
الكلمة دي رعبتني أكتر من أي حاجة تانية.
بدأ التحقيق، واكتشفوا حاجات أبشع مما تخيلت. مدام صفاء كان عندها ابن اسمه كريم، مات وهو عنده نفس سن زين تقريباً، ومن وقتها وهي اتغيرت انعزلت، وبقت مهووسة بفكرة إنها ترجعه بأي شكل. لما شافت زين أول مرة، افتكرت إن ربنا رجع لها ابنها، أو على الأقل، فرصة تعيش
نفس الدور تاني. ومع الوقت، بدأت تخطط جمعت كل حاجة صور قديمة، ملابس، حتى القصة اللي قصتها لزين كانت نفس قصة ابنها زمان.
الأخطر من ده كله، إنها قدرت تزور أوراق رسمية الباسبور اللي شوفته كان حقيقي، مش مزيف بسهولة. كان في شبكة ساعدتها، وده فتح باب تحقيق أكبر بكتير. يعني الموضوع مكانش مجرد ست مختلة كان في ناس تانية وراها.
بعد التحقيق، رجعت البيت وأنا مش نفس الشخص. بقيت بقفل كل باب ورايا مرتين، وبص على زين كل شوية عشان أتأكد إنه موجود. حتى وهو نايم، كنت بقعد جنبه بالساعات، أبص لوشه وألمسه عشان أطمن.
لكن الصدمة الأكبر كانت في زين نفسه.
بدأ يسألني ماما ليه طنط صفاء مش هنا؟
كنت محتارة أقول له إيه إزاي أشرح لطفل إن اللي كان بيديله حب واهتمام كان في الحقيقة خطر عليه؟ حاولت أجاوب ببساطة عشان كانت تعبانة شوية يا حبيبي ومش هينفع نشوفها تاني.
سكت شوية، وبعدين قال حاجة كسرت قلبي بس هي كانت بتحبني قوي كانت
بتقولي إني ابنها.
حسيت بسكينة بتغرس في صدري. حضنته بقوة وقلتله إنت ابني أنا وبس ومفيش حد يقدر ياخدك مني.
الأيام عدت، لكن آثار اللي حصل ما راحتش بسهولة. زين بقى بيخاف يبعد عني، حتى المدرسة بقى يعيط لما أسيبه. وأنا بقيت بخاف من كل حد حوالينا، حتى من نفسي أحياناً.
بعد أسبوعين، جالي اتصال من القسم قالولي إن مدام صفاء اتحولت لمستشفى الأمراض النفسية بعد ما حالتها ساءت، وإنها بقت ترفض الأكل والكلام، وكل اللي بتقوله جملة واحدة فين ابني؟
قفلت التليفون وأنا حاسة بمشاعر متلخبطة جزء مني غضبان منها، وجزء تاني حاسس بحزن غريب لأنها في النهاية، أم مكسورة، فقدت ابنها، وضاعت في وجعها لدرجة إنها حاولت تسرق ابن حد تاني.
لكن مهما كان وجعها أنا كمان أم.
ومفيش قوة في الدنيا تقدر تاخد ابني مني تاني.
ومن ساعتها، وأنا عايشة على مبدأ واحد
إن الأمان مش دايماً بييجي في شكل طبطبة وابتسامة
وأحياناً، أخطر الناس هما اللي
بندخلهم بيوتنا بإيدينا.

تم نسخ الرابط