ظنوا أنها فتاة ضعيفة

لمحة نيوز

بعد جنازة جوزي بساعات قليلة، كنت لسه حاسة إن ريحته مالية المكان، لسه صوته بيرن في ودني، لسه مش مصدقة إنه مش هيرجع وقفت في نص الصالة وبطني قدامي تقيلة، حامل في الشهر التامن، وببص لوشوش أهلي اللي المفروض يكونوا سندي لكن اللي شوفته كان أبرد من التلج.
أمي بصّتلي بنظرة خالية من أي رحمة وقالت بمنتهى البساطة
لمي حاجتك يا بنتي، جوز أختك هييجي ياخد أوضتك وانتي تنزلي الجراج.
افتكرت إني سامعة غلط. ضحكت ضحكة مكسورة وسألتها
الجراج؟ أنا؟ وأنا حامل؟
أبويا قفل الجورنال بعصبية وقال
ما تبطليش دراما بقى انتي مش بتدفعي حاجة هنا.
الكلمة دي كسرت حاجة جوايا حاجة كبيرة أوي. البيت ده كان بيت أدهم اشتراه بعرقه، بناه حلم حلم، وكان دايماً يقوللي ده أمانك حتى لو أنا مش موجود.
وهو فعلاً مش موجود بس وصيته كانت لسه عايشة.
أختي هاربر اتكلمت بصوت بارد
بلاش شغل الضحية ده إحنا تعبنا من جو الحزن بتاعك.
وكلوي دخلت تضحك وقالت
وبعدين إياد محتاج يعمل مكتب يعني مش هينفع تقعدي في أوضة كبيرة كده لوحدك.
ضحك إياد، الضحكة اللي فيها استعلاء وقلة أصل، وبصلي من فوق لتحت كأني ولا حاجة.
في اللحظة دي سكت.
بصيت لكل واحد فيهم أمي،

أبويا، أخواتي مفيش حد فيهم شافني بني آدمة.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، هادية، بس جواها حاجة تانية خالص.
وقلت
تمام اللي تشوفوه.
نزلت الجراج البرد كان بيقطع في جسمي، والهدوء كان مرعب. قعدت على كرسي قديم، حطيت إيدي على بطني، ودموعي نزلت من غير صوت.
وقتها افتكرت كلام أدهم اللي قالهولي قبل ما يسافر آخر مرة
لو حصلي حاجة ما تثقيش في حد غير الحاجة اللي هسيبهالك.
طلعت موبايله القديم اللي كان سايبهولي كنت فاكرة إنه مجرد ذكرى لكن لما فتحته، لقيت رسالة متسجلة باسمي.
صوته طلع هادي ثابت
لو انتي سامعة الرسالة دي يبقى أنا مش موجود. أنا عارف أهلك كويس وعارف ممكن يعملوا إيه. عشان كده عملت اللي لازم يتعمل.
قلبي بدأ يدق بسرعة
في رقم محفوظ باسم الصقر كلميهم وقولي الكلمة اللي اتفقنا عليها.
إيدي كانت بتترعش بس طلبت الرقم.
رد راجل صوته حاد
مين؟
بلعت ريقي وقلت الكلمة
أدهم ما رجعش.
سكت لحظة وبعدين قال
اقفلي الخط وإحنا جايين.
قفلت ومكنتش فاهمة أي حاجة غير إن أدهم كان سايبلي سر أكبر بكتير من اللي كنت أتخيله.
عدت ساعات وأنا في الجراج لحد ما الفجر بدأ يطلع.
وفجأة صوت غريب قطع السكون.
صوت عربيات تقيلة كتير بتقرب.

طلعت بره أبص واتجمدت مكاني.
عربيات عسكرية مدرعة صف طويل نازلين منها رجالة لابسين أسود، سلاحهم متجه، وحركتهم منظمة بشكل مرعب.
الشارع كله وقف.
البيت اتهز من الرعب.
أبويا خرج يجري وهو بيزعق
في إيه؟! إيه ده؟!
أمي كانت مرعوبة هاربر وكلوي واقفين مش فاهمين وإياد لونه اتسحب.
واحد من القوة قرب بص حواليه وبعدين عينه جت عليا.
رفع إيده تحية عسكرية وقال بصوت واضح
مدام إحنا جايين ناخدك.
الكل سكت.
الصمت بقى تقيل لدرجة الاختناق.
أبويا اتكلم بتوتر
ناخدها؟ تاخدوها فين؟!
الراجل بصله ببرود وقال
دي أوامر.
إياد حاول يتكلم بثقة مصطنعة
انتو عارفين انتو بتكلموا مين؟!
الراجل لفله ببطء وقال
آه وعارفين كويس كمان.
وفي لحظة اتغيرت ملامح المكان كله.
رجالة تانية دخلت البيت فتشوا سيطروا على كل حاجة.
أمي قربت مني صوتها مهزوز
إيه اللي بيحصل؟!
بصيتلها بنفس الابتسامة اللي ابتسمتها امبارح بس المرة دي كان فيها قوة
ده اللي كان أدهم سايبهولي.
الظابط قرب وقال بهدوء
العقيد أدهم ماكانش مجرد ضابط كان واحد من أهم عناصر العمليات الخاصة وكل حاجة باسمه متأمنة بأوامر مباشرة.
الصدمة نزلت عليهم زي الصاعقة.
أبويا قعد على الكرسي
وهو بيهمس
إحنا كنا بنعمل فيها كده؟
هاربر رجعت خطوة وكلوي دموعها نزلت وإياد بقى مش عارف يبص فين.
الظابط كمل
البيت ده باسم مدام وأي محاولة للتعدي عليه تعتبر جريمة.
ساعتها حسيت إن كل وجع اللي فات بدأ يترد.
بصيت للجراج للمكان اللي كانوا عايزيني أعيش فيه وبعدين بصيت للبيت اللي اتبنى على حب وتعب راجل كان شايفني كل حاجة.
مشيت ناحيت العربية المدرعة بس قبل ما أركب، وقفت وبصيت لهم آخر مرة.
قلت بهدوء
أنا فعلاً كنت مكسورة بس انتو اللي كسرتوا آخر حاجة كانت ممكن تربطني بيكم.
ركبت العربية والباب اتقفل ورايا.
وأنا بعدي من قدامهم شوفت في عيونهم حاجة واحدة بس
ندم وخوف وصدمة إن اللعبة اللي افتكروها سهلة طلعت أكبر منهم بكتير.
حطيت إيدي على بطني وابتسمت لأول مرة بصدق.
أدهم ما سبنيش لوحدي.
وسابلي قوة خلت كل اللي حاولوا يكسروني هما اللي اتكسروا.
العربية المدرعة اتحركت ببطء، وصوتها كان تقيل كأنه بيقفل صفحة كاملة من حياتي ويفتح واحدة جديدة. كنت قاعدة جوا، إيدي على بطني، وبحاول أستوعب كل اللي حصل في ساعات قليلة من إهانة في الجراج لحد قوة خاصة جاية تاخدني كأني شخصية مهمة في دولة.
الظابط اللي كلمني قبل كده
قعد قصادي، صوته بقى أهدى شوية وقال
مدام أنا عارف إن كل ده جاي مرة واحدة بس لازم تبقي
تم نسخ الرابط