ندالة زوج
وهي مراتي كانت داخلة عمليات طوارئ… أنا كنت بصرف فلوسنا في جناح فخم على البحر… لحد ما حطّت كل حاجة قدامي على الترابيزة وقالتلي: “دلوقتي بقى… هتدفع التمن.”
الساعة كانت 2:17 الفجر لما التليفون رن، وصوت مراد جهلي حاد ومتوتر:
— “لو مراتك ماتت النهاردة، أقل حاجة تعملها إنك ترد يا أدهم!”
كنت وقتها في الجونة، نايم في جناح ملكي، الدنيا حواليّا هادية ومترفة كأنها عالم تاني خالص. بصيت للموبايل بضيق ورديت واطي:
— “في إيه يا مراد؟”
قاللي بسرعة:
— “مريم في المستشفى… حالتها صعبة ولازم توقيعك فورًا!”
اسمها وقع عليّ تقيل… مريم… مراتي بقالنا 11 سنة، اللي وقفت جنبي من أول ما كنت صفر، اللي باعت دهبها عشان أقف على رجلي، اللي استحملت كل ضغوط الدنيا من غير ما تشتكي.
سكت لحظة… وفي اللحظة دي كان قدامي اختيار واضح… أرجع فورًا وأكون جنبها، أو أكمّل اللي أنا فيه وأأجل المواجهة.
وبكل أنانية، اخترت التأجيل.
قلتله:
— “الطيران واقف والجو صعب… امضي إنت يا مراد… وأنا أول ما أرجع هظبط كل حاجة.
مراد سكت، وبعدين قال بنبرة غريبة:
— “تمام يا أدهم… هأمضي.”
قفلت المكالمة، وحاولت أقنع نفسي إن الموضوع بسيط، وإنها هتبقى كويسة، وإن كل حاجة هتعدي.
عدّت الليلة… وعدّى اليوم… وأنا عايش في عالم منفصل عن الحقيقة، كأني بهرب منها.
ما كنتش أعرف إن القرار ده هيغيّر كل حاجة.
لما رجعت، دخلت البيت وأنا عامل حسابي على مشهد معين… لكن اللي شوفته كان مختلف تمامًا.
مريم كانت قاعدة على السفرة… وشها شاحب، وفي إيدها إسورة المستشفى… بس نظرتها كانت ثابتة وقوية بشكل غريب.
قدامها ملف.
قعدت من غير كلام، وفتحت الملف بهدوء، وبدأت تحط قدامي مستندات… فواتير، تحويلات، تفاصيل حسابات، تواريخ، كل حاجة مترتبة بدقة.
حاولت أتكلم، بس هي رفعت إيدها وقالت:
— “استنى… خلّص بس.”
وبعدين طلعت ورقة واحدة.
بصيت فيها واتصدمت.
كانت مستند قانوني بيمنحها صلاحيات كاملة على كل أملاكي وإدارتي المالية… مبني على توكيل قديم كنت مديهولها من سنين، وأنا وقتها كنت محتاجها تقف جنبي.
قالتلي بهدوء:
— “فاكر الورقة
قلت بانفعال:
— “إنتي كده بتاخدي كل حاجة؟!”
ردت ببساطة:
— “أنا باخد حقي… مش أكتر.”
من اليوم ده، كل حاجة اتغيرت.
رجعت شغلي… لقيت الإدارة اتنقلت رسميًا باسمها، قراراتي اتلغت، حساباتي اتقفلت، حتى التفاصيل الصغيرة بقت خارجة من إيدي.
الدنيا اللي بنيتها سنين، خرجت مني في أيام.
حاولت أصلّح… أبرر… أتكلم… بس مفيش حاجة كانت بترجع زي الأول.
روحت لمراد… بصلي وقال:
— “أنا عملت الصح… المرة دي.”
رجعت البيت تاني… لقيت شنطتي متحضرة.
مريم كانت واقفة عند الباب.
قالتلي:
— “المكان ده باسمي دلوقتي… زي كل حاجة… خد حاجتك.”
وقفت قدامها وسألتها:
— “إنتي كده مرتاحة؟”
بصتلي بهدوء وقالت:
— “أنا كده متوازنة.”
قبل ما أمشي، قالت آخر جملة:
— “أنا سامحتك… بس مش هرجع لنفس النقطة تاني.”
خرجت وأنا لأول مرة أحس إني فقدت كل حاجة… مش بس ماديات… لكن معنى، وثقة، وتاريخ كامل.
وقتها بس فهمت…
إن بعض القرارات ممكن تعدي في لحظتها
وإن اللي بيتأخر عن وقته… ممكن ما يلحقش يصلّح أي حاجة.
وفي النهاية… أنا دفعت التمن…
وكان غالي جدًا.
عدّى أسبوع… وبعدين شهر… وأنا لسه مش مستوعب إزاي كل حاجة اتقلبت بالسرعة دي.
صحيت في أوضة صغيرة في فندق شعبي، صوت الشارع داخل من الشباك المكسور، وريحة القهوة المغلية من تحت طالعة تقيلة… مفيش هدوء، مفيش رفاهية، مفيش أي حاجة من اللي كنت متعود عليها. حتى هدومي بقت محدودة، أختار بينهم كل يوم كأني حد تاني خالص.
في الأول كنت فاكر إنها “مرحلة وهتعدّي”… كنت مقتنع إن مريم هتهدى، وإنها في لحظة ضعف هتفتكر الأيام القديمة وترجع كل حاجة زي ما كانت.
بس الأيام كانت بتكدّبني.
حاولت أتصل بيها… مرة واتنين وعشرة… مفيش رد. بعت رسايل طويلة، فيها اعتذار، فيها ذكريات، فيها حتى محاولات تبرير… مفيش ولا كلمة رجعتلي.
وفي يوم… قررت أروح الشركة.
دخلت المبنى اللي كنت بحس إنه “مملكتي”… بس المرة دي حسّيت إني غريب. الأمن وقفني عند الباب وسألني رايح لمين.
قلتله بتوتر:
— “أنا… أدهم.”
بص في الكمبيوتر وقال ببرود: